الشهيدة سعيدة والكلمات الثورية



نكسر القيود، الأغلال والسلاسل، نكسر طقوس الكتابة، معاني الطقوس التقليدية، نبي طريقا ثوريا، في ذكراك يا شهيدة !
أنت النبراس، أنت التي أبت الخضوع، بيديك زناد الكلمات الثورية، من أجل أن تحيا أمهات مضطهدات، حياة سعيدة، كلمات ألغازا، عميقة في الرؤية، في التاريخ، تاريخ الثورة ببلادي.
في تحد للفاشية، تصرخين في وجه الفاشيين، فاشيين، فاشيين، تلك الصرخة، التي أرعبت قضاة الفاشيين، بمحكمة النظام الملكي الدموي، فاشيون، لكنهم مرعوبون، من كلماتك الثورية، يعتقدون أنهم قد أوقعوا بالثوار، الذين يزدادون قوة :
"فاشي، فاشي
ألف مرة فاشي،
مليون مرة.
أريد أن أكرر قوله."
كان الديكتاتور، في قصره المحصن، بآلاف الجنود، من أبناء الفقيرات، اللواتي كن بالريف، بالأطلس، بالصحراء.. تنتظرن لقمة عيش، من دم وعرق ذل وهوان، من فواهات بنادق الذل والهوان، أيديهم على الزناد، في اتجاه صدور الثوار، بالريف، الأطلس والصحراء..
كانت الشهيدة، ترى كل هذه التناقضات، أبناء الفقيرات، في خدمة حماية الأغنياء، الفاسدين المرتشين، فثارت على الديكتاتور : الفاشي، تصرخ في وجهه، بكامل كلمات الغضب، وثورة البركان :
"أنا بركان نشيط
وحممي،
على جميع فاشيي بينوشي،
أبصق فيهم."
في تحد للديكتاتور، المرعوب، من قوة الكلمات الثورية، يجيش كل أجهزته القمعية، العلنية والسرية، ضد الثوار..
تريد الشهيدة، أن تعيش كل الأمهات، حياة سعيدة، أن لا يعيش أطفالهن في بؤس، أن لا ترمي الأم، بعد اليوم، مولودها في قمامة، واختارت الشهيدة، من أجل ذلك طريف الفداء :
"نستمر
في المقاومة، رافضين،
حتى المجزرة."
هكذا أصرت الشهيدة سعيدة، كل الإصرار، على السير في طريق الثورة، والثوار، حاملة مشعل الحرية، هاتفة بكل إصرار : يسقط، يسقط الديكتاتور، حتى تعيش كل الأمهات الفقيرات، حياة سعيدة، تكسر طوق الصمت الرهيب :
"لكن أفكاري وشوقي للنضال،
لا سنوات السحن،
لا أبوابهم الخشبية
لا أظافرهم،
لن تنزعهما مني.
أموت ماركسية لينينية."
واستشهدت، الشهيد سعيدة، ماركسية لينينية، في سجون النظام الملكي الدموي، وسطرت، طريق الثورة والثوار، بدمائها، فكانت ذكراها، عبرا، تذكرنا بأن هناك، من ضحى بحياتها، من أجل أن تحيا الثورة..
فإذا كان عريس الشهداء : عبد اللطيف زروال، من سك الطريق الثوري للثورة المغربية، وباستشهاده أوقف نزيف الحركة الماركسية ـ اللينينية في مهدها، وبنى طريق الاستشهاد، في المعارك الثورية، حتى يكون الاستشهاد، سدا منيعا ضد الاستسلام، ضد إفشاء أسرار الحرب، وقطع الطريق على العدو للوصول إلى المقاومين..
كانت عروس الشهيدات : سعيدة المنبهي، من سكت طريق الثورة، بمضمون معنى الحياة، منبع الحياة، لتستكمل بذلك معنى التناقض، في ظل الوحدة، بين المرأة والرجل، الثورية والثوري، لتكتمل المعادلة الطبيعية والتاريخية، وتقول أن الحركة الماركسية ـ اللينينية ليست ذكورية، إنما هي وحدة متكاملة بين المرأة والرجل، في ظل الوحدة، في بناء الطريق الثوري، وبناء الحزب الثوري.
ولنجعل ذكرى الشهيدة سعيدة، شهيدة الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية، قوة، ملهمة لقوة شبابية هائلة، بداخل الحركة، تكاد تكون جبارة، لو لم تمسسها عدوة التناحر، وارتقت بالجدل والنقاش والصراع، في ظل الوحدة التنظيمية، للخروج من سنوات الجمود العقائدي والانعزالية، من أجل إنجاز، مهمة بناء الحزب الثوري، من صلب الطبقة، التي استشهدت من أجلها الشهيدة سعيدة..
ولتكن ذكرى استشهادها، تلك الصرخة، ملهمة كل الماركسيين اللينينيين المغاربة، بروح وحدة الطريق الثوري، وبناء الحزب الماركسي ـ اللينيني المغربي.

الثورة بالغرب الإفريقي والحروب الوطنية الثورية الجديدة

من أجل إعادة بناء مفهوم النضال الديمقراطي الثوري من خلال التجربة الثورية للشهيد إبراهيم صيكا

عرفت الصراعات الطبقية بالغرب الإفريقي تصاعدا خلال 10 سنوات الماضية والتي يشكل فيها المغرب موقعا أساسيا، نظرا لموقعة الجيواستراتيجي في علاقته بالشمال والغرب الإفريقي عبر الصراعات الطبقية في أعلى تجلياته بالصحراء الغربية : الحرب الإمبريالية الرجعية ضد الحرب الوطنية الثورية، وامتداداتها بالغرب الإفريقي، فخلال نصف قرن شكلت قضية الصحراء الغربية محور الاستراتيجية الإمبريالية الجديدة الأمريكية ـ الفرنسية بالغرب الإفريقي في علاقتها بالحروب اللصوصية الجديدة، التي تم إشعالها بالمنطقة العربية وشمال إفريقيا وامتداداتها بإفريقيا عبر بلدان الساحل، مما فرض إعادة هيكلة الاستراتيجية الإمبريالية بإفريقيا من طرف أمريكا وفرنسا بعد بناء القاعة العسكرية لجيش أفريكوم لدعم القاعدة العسكرية الفرنسية بالنيجر، تحسبا للحروب الإمبريالية المقبلة ومراقبة الحركة الوطنية الثورية المتنامية بإفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي الجديد، خاصة بعد بروز عملية التبادل التجاري بين الاتحادي الإفريقي مع الصين واليابان مما كشف زيف العلاقات الفرنسية الاستعمارية بإفريقيا، أزعج الإمبريالية الأمريكية وأشعل الصراع التجاري الأمريكي ـ الصيني، الشيء الذي غير مسار الاستراتيجية الأمريكية الاستعمارية بالمنطقة العربية بعد إشعال الحروب اللصوصية فيها وانخراط روسيا بشكل مباشر في الحرب على الشعب السوري نيابة عن أمريكا لحماية الكيان الصهيوني، وتوظيف النظام التركي الرجعي نيابة عن حلف الناتو كدركي بالمنطقة العربية لمنع تنامي الحركة الثورية وتغذية الحروب اللصوصية هناك، مما يحتم على الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية إعادة بناء استراتيجيتها الجديدة للتصدي للاستراتيجية الإمبريالية الجديدة بالغرب الإفريقي.

الجذور التاريخية للصراعات الطبقية بالغرب الإفريقي وتناقضاتها

بدأت الحرب الإمبريالية ضد الحرب الوطنية الثورية بالمغرب وامتداداتها بالغرب الإفريقي بعد خروج قوات جماهير الفلاحين من مراكش في 1912 في استراتيجية تراجعها الصحيح إلى الجنوب، بعد تشكلها كقوة ثورية جماهيرية في مرحلة الزحف لمواجهة الاستعمار الفرنسي وامتدت عبر حبال الأطلس الصغير الغربية الساحلية على شكل ملاحم الحرب الثورية بأيت باعمران ضد الحرب الإمبريالية الإسبانية ـ الفرنسية، واستمراريتها البطولية بالصحراء الغربية إبان الاستعمار الإسباني، مما أرقى ثورة الجنوب إلى قوة هائلة، وحول الجنوب الغربي إلى مركز استراتيجي عالمي، وركز مكانة الجنوب التاريخية في الثورة بالغرب الإفريقي وشمال إفريقيا، مما أعطى للنظام الملكي الدموي موقعا بارزا لتنفيذ برامج الاستراتيجية الإمبريالية الفرنسية وسياساتها الاستعمارية الجديدة بإفريقيا عبر القضاء على الثورة بالغرب الإفريقي.
وشكل القضاء على الحركة الثورية بالمغرب في السياسات الاستعمارية الجديدة هدفا استراتيجيا بعد القضاء على امتدادات ثورة الريف بالقضاء على امتدادات جيش التحرير بالشمال في 1958/1959، مما أعطى للصحراء الغربية موقعا استراتيجيا في برامج السياسات الإمبريالية الاستعمارية الحديثة بالغرب الإفريقي، بعد القضاء على جيش التحرير بالجنوب الغربي في 1960 وتصفية امتداداته بالحركة اليسارية الثورية، في ظل التحولات الاقتصادية الرأسمالية التي اعتمدت الدولار عملة رئيسية في التبادل التجاري في السوق التجارية العالمية في 1975 ، وأصبحت الإمبريالية الأمريكية مركز الدول الاحتكارية العالمية والقوة الاستعمارية الجديدة بعد نهاية حربها بفيتنام، وبداية الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفييتي بعد سقوط تجربة ماو الثورية ونهاية الصراع بين الصين والاتحاد السوفييتي.
وخلال 30 سنة من الصراعات الطبقية بالمغرب التي تغذيها الإمبريالية الفرنسية شكلت الصحراء الغربية مسرح حرب دائمة ضد الحركة الثورية بالمغرب والغرب الإفريقي، باعتبارها مجالا حيويا للتوتر القابل للاشتعال في أي لحظة تراها الإمبريالية مناسبة، مما جعل النظام الملكي الدموي يوظفها في علاقاته مع الإمبريالية الفرنسية من أجل دعمه وحمايته عبر قمع أي حركة ثورية ممكنة، وتوظفها من طرف الإمبريالية الفرنسية من أجل مزيد من الضغط للحصول على مزيد من التنازلات الاقتصادية واستمرارية استغلال ثروات الشعب المغربي، مما ساهم بشكل كبير في تعطيل النمو الاقتصادي وتدمير القوى المنتجة : تدهور الخدمات الاجتماعية وتقهقر مستوى العيش لدى الغالبية الساحقة من السكان، مما يمكن اعتباره مؤشرات وضع سياسي سائر في طريق الانفجار، بعد تنامي احتجاجات العمال والفلاحين التي يتم مواجهتها بالقمع والاعتقالات، في الوقت الذي تعرف فيه الحركة السياسية اليسارية ركودا نتيجة مؤامرة الأحزاب اليسارية والديمقراطية التي أصبحت أدوات لقمع إرادة الجماهير التغيير، عبر نشر أيديولوجياتها الرجعية في صفوف العمال والفلاحين عبر تنظيماتها الموازية من نقابات وجمعيات حقوقية وتنموية.
خلال 20 سنة مضت عاش الشعب المغربي في ظل أوهام "العهد الجديد" ما لم يعشه في سنوات القمع الأسود، التي مهدت لهذا "العهد" وعبدت له الطريق من أجل سلب ما تبقى للعمال والفلاحين من حقوق، وطيلة عقدين من زمان "المغرب الجديد" نما الرأسمال المالي للبرجوازية التجارية بشكل مهول : المراكز المالية والاستراتيجية العالمية تصنف أغنياء المغرب على رؤوس الأصابع وعلى رأسهم رئيس الدولة، سيطروا على دواليب الحياة اليومية للجماهير الشعبية التي تكد بلا كلل من أجل حصد الفقر وتوريثه لأبنائهم، فكما قال ماركس: "الفقر لا يصنع الثورة إنما وعي الفقير هو الذي يصنع الثورة" يبقى الفقراء فقراء ما لم يصبحوا واعين، فأصبحت أعداد الفقراء بالمغرب تكبر والأغنياء محسوبون على رؤوس الأصابع، نتيجة سيادة فكر ما قيل ـ الرأسمالية المتجسد في علاقات الإنتاج المتخلفة في تناقض مع القوى المنتجة الهائلة المتجسدة في الواقع الموضوعي : العمال والفلاحون المنتجون ووسائل الإنتاج الهائلة، في ظل ثورة الإعلاميات التي تتحكم فيها البرجوازية التجارية خادمة الرأسمال المالي الإمبريالي، مما يؤكد إمكانية قيام الثورة الاجتماعية بالمغرب في أي لحظة عندما تكتمل شروطها الذاتية والموضوعية.
وتوسعت الهوة بين الطبقة الوسطى : البرجوازية الصغيرة، والبرجوازية التجارية في ظل نظام ملكي استرجع صفته الدموية في أقصر وقت، يتجسد في قمع احتجاجات الجماهير أبرزها : تماسينت بالشمال في 2005 وسيدي إفني بالجنوب في 2008، وتوالت الاحتجاجات بكل مناطق المغرب التي تتم مواجهتها بالقمع، المحاكمات والإدانات، وبلغت دروتها في احتجاجات 20 فبراير 2011 التي عرفت قمعا دمويا سقط على إثره خمسة شهداء بالحسيمة واستشهاد الشهيد كمال الحساني في أكتوبر 2011، وتوالت الاعتقالات، الاستشهاد والمحاكمات وفتحت السجون على مصراعيها، وبذلك تم إعلان "العهد الجديد الدموي" في وجه كل الحركات الاحتجاجية الجماهيرية التي تناسلت بشكل كبير وسريع بالمدن والبوادي وأكبرها تجسد في الحراك الشعبي بالحسيمة في 2016/2017، مما أعطى مؤشرا واضحا بأن القمع هو سيد الموقف ضد الاحتجاج والقمع الدموي بشكل صريح، الذي تم تتويجه بالمحاكمات الجنائية من صنف الستينات والسبعينات من القرن 20.
وكانت الحركة الاحتجاجية بالصحراء الغربية جد حيوية نظرا للوضع السياسي بهذه المنطقة المهمة في تاريخ الصراعات الطبقية بالغرب الإفريقي : احتجاجات شتنبر 1999 بالعيون ونونبر 2000، وأبرزها الاحتجاجات الدامية بأكديم إزيك من 16 أكتوبر إلى 08 نونبر 2010 أسفرت عن قتلى، جرحى واعتقالات، مما يؤكد أن قضية الصحراء الغربية على رأس الصراعات الطبقية بالغرب الإفريقي منذ حوالي 50 سنة، منذ أول انتفاضة للشعب الصحراوي في 1970، من الصراعات الطبقية السياسية غي أعلى تجلياتها : الحرب، أرهقت النظام الملكي الدموي بالمغرب، مما دفعه إلى توظيفها في عرقلة الحركة الثورية بالغرب الإفريقي بدعم من الإمبريالية الفرنسية، إلا أن تلك المحاولات لم تستطع إيقاف زحف حركة جماهير العمال والفلاحين في سعيهم وراء تحقيق مطالبهم المشروعة في العيش الكريم وتقسيم ثروات البلاد بالمساواة في ظل دولة وطنية ديمقراطية شعبية.
وبين الحركة الثورية بالريف والحركة الثورية بالصحراء الغربية علاقة تاريخية مرتبطة بالاستعمار المباشر للإمبريالية الإسبانية، التي أبادت جماهير الفلاحين المنتفضين ضدها على شكل حرب وطنية ثورية أفضت بتأسيس أول دولة وطنية ديمقراطية شعبية بشمال إفريقيا، الحرب الثورية التي أسست معالم الحرب الشعبية بقيادة جماهير الفلاحين وألهمت حركات التحرر العالمية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي : معلم الحركة الوطنية الثورية بالبلدان المضطهدة في القرن 20، في علاقتها بثورة الجنوب التي استنهضت القوى الثورية للفلاحين ضد الإمبريالية الفرنسية بقيادة أحمد الهيبة، الذي أعلن نفسه ملكا في مملكته كتعبير عن حاجة الدولة بمراكش والغرب الإفريقي إلى قيادة جديدة من صلب الجنوب، بعد فشل الملكية التقليدية في مسايرة الصراعات السياسية الإقليمية والعالمية.
وبين ثورة الجنوب وثورة الشمال تكمن كل الصراعات الطبقية التي اندلعت بالجبال والسهود ضد الاستعمار القديم واستمراريتها في الصراعات السياسية القائمة اليوم بالصحراء الغربية وامتداداتها بالغرب الإفريقي، إلا أن تراكمات الماضي ذات العلاقة بالفكر المثالي السائد في أوساط جماهير العمال والفلاحين كقوى ثورية والتي يستغلها النظام الملكي الدموي في تمرير أيديولوجيته التبعية للإمبريالية واستبداده بالحكم، التي تتحكم في نمط الإنتاج شبه الرأسمالي عبر علاقات الإنتاج المتسمة بصفة ما قبل ـ الرأسمالية، جعلت الثورة المغربية تراوح مكانها، فالتضحيات التي قدمها جماهير العمال والفلاحين في الخمسينات من القرن 20 تم استغلالها من طرف البرجوازية التجارية الحاكمة، بواسطة خادمتها البرجوازية الصغيرة في أوساط الجماهير عبر الأحزاب والنقابات، التي تحولت بعد 60 سنة من التدجين إلى أدوات أيديولوجية خطيرة، تقيس أنفاس الحركة الثورية بالمغرب، وتدمرها من داخل مراكز الطليعة الثورية : الطبقة العاملة وحليفها التاريخي الفلاحون، الذين حملوا بالأمس القريب السلاح ضد الإمبريالية وحققوا ملاحمة عظيمة.
وساهم تراكم الصراعات الطبقية في تحريك التاريخ عبر بروز التراكم الكمي للأحداث الثورية : انتفاضات العمال، الفلاحين، الطلبة، الانقلابات العسكرية، الانتفاضة المسلحة للفلاحين...إلخ المتسمة بالفشل، الذي أصبح يرافق الحركة الثورية بالمغرب، في بناء تراكم كيفي متسم بعناصر جديدة متقدمة، في ظل التراكم الكمي لمخلفات العالم القديم السائدة الذي نتج عنه تراكم كيفي متسم بمخلفات البنية الميتافيزيقية، الشيء الذي أبرز قبول العالم الجديد : للرأسمالية التبعية، التي عملت منذ تركيزها في ظل شروط العالم القديم، التي تسود فيه قوتين أساسيتين متصارعتين حول تقسيم السلطة : البرجوازية التجارية والفلاحون، مما ساهم في تحويل جزء من الفلاحين إلى طبقة عاملة أصبحت بعد زمان طويل من الصراعات الطبقية طبقة واعية بذاتها دون القدرة على الارتقاء إلى طبقة واعية لذاتها، ذلك ما أرهق الحركة الثورية الجديدة ـ اليسار الجديد : الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية ذات الجذور البرجوازية الصغيرة.
وكان للصراعات الطبقية المتسمة بالجذور ما قبل ـ الرأسمال وما تفرزه من تراكم كمي حاصل في أوساط العمال والفلاحين : تراكم كمي للفكر المثالي، أثر كبير في تشكيل المثالية الذاتية في أوساط قيادات الأحزاب والنقابات من ضمنها جزء من الحركة الماركسية ـ اللينينية، مما له أثر كبير في عرقلة تشكل وعي الطبقة العاملة لذاتها وتحولها إلى طبقة ثورية باستطاعتها فرز الطليعة الثورية.
وكان للتراكم الكمي الذي حصل في طبقة البرجوازية الصغيرة خاصة منها المثقفة عبر تاريخها السياسي وما أنتجه من تراكم كيفي متسم بصفات البنية ما قبل ـ الرأسمالية، أثر كبير في عرقلة جهود الحركة الماركسية ـ اللينينية في بناء الحزب الماركسي ـ اللينيني المغربي، وكان للقوى الهائلة للدول الاحتكارية العالمية : الإمبريالية العالمية، وسرعة تطورها في علاقته بالتطور الهائلة لوسائل الإنتاج المادية والثقافية الجديدة، الثي أبهرت البرجوازية الصغيرة، أثر كبير في عجز الحركة الثورية عن مواكبة التحولات الكمية التي حصلت وتحصل باستمرار في الحركة الصناعية والمعلوماتية وقوتها الهائلة في تحريك القوى المنتجة وفرز تحولات كيفية ضد ـ ثورية تعرقل الحركة الثورية العالمية، مما يتطلب مواكبة تطور وتحول وسائل الإنتاج المادية والثقافية ودراستها وتحليل تناقضاتها واستثمارها في تطوير أساليب العمل النضالي الديمقراطي الثوري.
وفي غياب النقد العلمي المادي لتاريخ الحركة الماركسية اللينينية ـ المغربية سقط الماركسيون اللينينيون في التناقض أساليب الممارسة الثورية القديمة : ما قبل نهوض الإمبريالية في مرحلة سيطرتها وهجومها على القوى الوطنية الثورية بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي، مما جعل الماركسيين اللينينيين حبيسي محاولات فهم وتفسير أسباب سقوط التجارب الاشتراكية بدل فهم أسباب بقاء الإمبريالية سائدة عكس ما ذهبت إليه وثيقة "الثورة في الغرب العربي في مرحلة تصفية الإمبريالية"، التي تمت صياغتها دون دراسة تخلف التحولات الكمية في الصين التي أفرزت تحولات كيفية متخلفة، مما ساهم في سقوط التجربة الثورية بالصين والتي مازال يعتقد البعض أنها صالحة لكل زمان ومكان.

الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية والثورة بالغرب الإفريقي

في بداية السبعينات ظهرت المجموعات الماركسية اللينينية المغربية، أغلب مكوناتها شباب يسعى إلى تغيير واقع الأحزاب الإصلاحية ـ التحرر والاشتراكية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ـ النضال ضد الإصلاحية، النضال ضد الدولة البوليسية، تغيير الوضع السياسي، بناء الحزب الثوري، بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية، نشأت الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية، برزت المنظمات الثلاث : إلى الأمام، 23 مارس، لنخدم الشعب.
عرفت الحركة الطلابية والتلامذية نشاطا واسعا سياسيا وثقافيا، شباب كله عطاء، من أجل التغيير، تغيير واقع البلاد، الذي يسود فيه القمع وإرهاب الدولة، الاختطافات، الاعتقالات والمحاكمات، البلاد تعيش حالة الاستثناء، تحت حكم دولة بوليسية، لم تستطع جل قيادات الحركة الماركسية ـ اللينينية الصمود أمام آلة القمع البوليسية، تم اختطاف واعتقال جل القياديين، ما تبقى منهم دخل في السرية أو غادر البلاد، يعيش بالمنفى.
كان الشباب الصحراوي، أغلبهم طلبة، واعون بقضية الصحراء الغربية وموقعها في الثورة بالغرب الإفريقي، في علاقته ببروز الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية التي أصبحت هذه القضية في أيديولوجيتها أحد المحددات الأساسية بين الخط الثوري والخط الانتهازي، استوعب الشباب الصحراوي الثوري الدرس جيدا، لا يمكن العمل في دولة بوليسية قمعية، اختاروا البحث عن دعم مشروعهم الثوري : استقلال الصحراء الغربية، كانت الجزائر وليبيا ملجأ آمنا لهم، ودعما لمشروعهم السياسي الثوري.
استطاع الشباب الصحراوي قطع أشواط كبيرة في النضال الثوري في الواقع الملموس، حملوا السلاح في وجه الاستعمار الإسباني، بينما الحركة الماركسية ـ اللينينية تنهار شيئا فشيئا، انهيار المناضلين داخل مخافر الشرطة السياسية السرية، المعتقلات السرية، استشهد القائد عبد اللطيف زروال بعد صموده أمام آلة التعذيب البوليسي، أصبحت قضية الصحراء الغربية محكا أمام الصراع داخل الحركة، أحدثت شرخا كبيرا في الحركة، كبرت تناقضاتها الداخلية، حول الموقف من العنف الثوري وقضية الصحراء الغربية، بينما الشباب الصحراوي مصر على حمل السلاح : مفهوم العنف الثوري ممارسة.
كانت الحرب في الصحراء الغربية محكا أمام الحركة : الحرب على الشعب الصحراوي، بين الحرب الوطنية الثورية والحرب الرجعية المدعومة من طرف الإمبريالية، بين جبهة البولزاريو والدولة البوليسية بالمغرب، تمت مواجهة عنف الدولة المنظم بعنف الجبهة الوطني الثوري، بين جيش نظامي ومجموعات ثورية مسلحة، حضر الجنرال جياب بالمخيمات، مرت الحرب تحت معارك منظمة، خلخلت كل التكهنات، أكدت أن دروس التجربة الثورية الفيتنامية ضد الحرب الإمبريالية قوية، حرب وطنية ثورية ضد حرب امبريالية على أرض الواقع بالصحراء الغربية، من طرف شباب عازمون على حمل السلاح.
قبل وفاة الديكتاتور فرانكو وهو على فراش الموت عقدت الإمبرياليتين الأمريكية والفرنسية صفقة مع النظام الملكي الدموي بالمغرب حول تصفية قضية الصحراء الغربية، تتويجا لدوره الكبير في القضاء على التمرد بالغرب الإفريقي، من حرب الرمال إلى حرب الزاييرـ الكونكو، وامتداداته عبر صفقات تصفية القضية الفلسطينية من حرب أكتوبر في 73 إلى مؤامرة كامب ديفيد في 77، الصحراء الغربية تعتبرها الأمم المتحدة من المستعمرات المستعصية بغرب إفريقيا، بعد انتصارات حركة التحرر الوطنية بإفريقيا بدعم من مصر، ليبيا والجزائر، في الوقت الذي كان فيه الشباب الصحراوي الثوري يتابع هذه الأحداث مع الجهات العليا بالجزائر وليبيا، الدولتان الداعمتان للتمرد على النظام الملكي الدموي بالمغرب : الانقلابان العسكريان في 71 و 72 وانتفاضة جبال الأطلس المتوسط في 73، وما تلا ذلك من محاكمات وإعدامات وقمع الفلاحين، فقرروا حمل السلاح والدخول في حرب وطنية ثورية ضد النظام الديكتاتوري بإسبانيا من أجل الاستقلال، بعد انتفاضة الشعب الصحراوي في 1970 وتأسيس الجبهة في 1973 وإعلان الجمهورية الصحراوية في 1976.
الشباب الصحراوي المتمرد ينظم عمليات عسكرية ضد الاحتلال الإسباني، هذا الأخير تضع جمرة الصحراء الوهاجة في أيدي النظام الملكي الدموي بالمغرب، أرض الصحراء الغربية في وضعية الاستعمار، جبهة البوليزاريو تعلن نفسها حركة تحررية، تحظى بالدعم الجزائري الليبي، المغرب وموريتانيا تقتسمان الجمرة الوهاجة : الساقية الحمراء ووادي الذهب.
في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة في مسار الثورة في الغرب الإفريقي تم توهيم الشعب المغربي باسترجاع "صحراء"ه بعد تنظيم "المسيرة الخضراء" في نونبر نونبر 1975، إنه أفيون الشعوب، شكل من أشكال تنويم الشعب المغربي، بمشاركة الأحزاب الاصلاحية في هذه المؤامرة في الوقت الذي يتم فيه استعمال قضية الصحراء الغربية فزاعة لقمع كل من يطالب بحقة في العيش الكريم، الخروج من حالة الاستثناء المباشر والدخول فيه بشكل غير مباشر باسم الإجماع الوطني على الوحدة الترابية في ظل دولة بوليسية، يتم قمع الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية وفتح جبهة دموية أقوى : حرب الحكومات على الشعوب بالصحراء الغربية ضد الثورة بالغرب الإفريقي.
كان الطلبة الصحراويون في بداية السبعينات من القرن 20 سباقون إلى الوعي بأهمية قضية الصحراء الغربية، ناقشوها في حلقياتهم الخاصة مع الطلبة الماركسيين اللينينيين المغاربة في السرية، وبعد طردهم من طرف وزير الداخلية اتجهوا إلى خارج المغرب بالجزائر وليبيا، كان النظام الملكي الدموي بالمغرب آنذاك منشغلا بالقمع الأسود، في ظل سيادة الاعتقال والاختطاف، مداهمة بيوت السياسيين والطلبة الماركسيين اللينينين ليلا، اعتقالهم واقتيادهم إلى مخافر التعذيب، غادر الطلبة الصحراويون الرباط، استقروا بالجزائر، وجدوا هناك آذانا صاغية، وضعوا مشروع حركتهم، ضد الاستعمار الإسباني، أشعروا السلاح في وجه المحتل، كانت ليبيا أرضا خصبة لدعم حركات التحرر الوطنية بإفريقيا، استفادوا من دعمها المالي والعسكري.
ما زال النظام الدموي بالمغرب على حاله : الانشغال بسفك دماء المناضلين، بعد تفكيك الجناح العسكري الاتحادي (مجموعة شيخ العرب)، سفك دماء الشبيبة المنتفضة في 23 مارس 1965 (اغتيال المهدي بن بركة)، اعتقالات وإعدامات الضباط الشباب المتمردين في انقلابات 71 و 72، اعتقالات وإعدامات المتمردين بمنظمة 3 مارس (عمر دهكون ومجموعته)، مرحلة جديدة تبدأ : تصفية قيادات المنظمات الماركسية اللينيينة : إلى الأمام، 23 مارس ولنخدم الشعب، سفك دماء شهداء الحركة الماركسية اللينينية (زروال، سعيد، رحال) الشعب المغربي أصبح مكبلا، الوطن سجن كبير.
الحرب الوطنية الثورية تندلع بالصحراء الغربية، الاستعمار الإسباني يسل نفسه كشعرة من عجين ويشرع في بناء الدولة الديمقراطية البرجوازية في ظل ملكية جديدة بدعم من الامبريالية الأمريكية والأوروبية، ينوب عنها النظام الملكي الدموي في سفك دماء الإخوة الأعداء بمشاركة موريتانيا التي تم إقحامها في صراع خارج عن طاقتها كدولة فقيرة ومتخلفة في أرض صحراوية شاسعة، تسل نفسها كشعرة من عجين من هذا الصراع الدموي، فهمت مبكرا أن هذه اللعبة السياسية الاستعمارية لعبة خاسرة، ينوب عنها النظام الملكي الدموي في الحرب، حرب الحكومات على الشعوب تمتد بالغرب الإفريقي في الصحراء الغربية، تشتد أوزارها، تكتوي بها العائلات الفقيرة المغربية.
الشعب المغربي في خندق واحد، الوطن سجن كبير، هكذا هو النظام الملكي الدموي في سنوات القمع الأسود، سنوات 1960ـ 1970ـ 1980، ثلاثة عقود من التحكم القمعي في مصير شعب.
النظام الملكي الدموي في غفلة عن حركة الشباب الصحراوي المتمرد، كل همه هو إسكات الأصوات الحرة، خدمة للمخابرات الإمبريالية الأمريكية والفرنسية، كانت مشاركته في "حرب أكتوبر" 1973 صورية، من أجل ذر الرماد في عيون الشعب المغربي، توهم العرب أنهم انتصروا، حكامهم في خدمة المشروع الصهيوني بأرض فلسطين، بدءا بمشروع كامب ديفيد : مشروع احتلال كامل أراضي فلسطين بعد القضاء على المقاومة المسلحة، الاعتراف بهذا الاحتلال، عزل مصر عن القضية الفلسطينية، عزلها عن سوريا، إحراق أرض لبنان الحرة بنيران الحرب الأهلية، تدمير العراق وإيران في حرب ضد ـ ثورية : حرب الحكومات على الشعوب.
جاء اندلاع الحرب بالصحراء الغربية لتتميم الشروط الموضوعية لسياسية طبقية تكبل القوى الثورية المغربية لاستكمال بناء نظام تبعي دموي بشمال وغرب إفريقيا، من أجل هدف أساسي : تعطيل حركة القوى الثورية بغرب إفريقيا استجابة للمشروع الإمبريالي ـ الصهيوني ـ الرجعي العربي، بعد عزل الحركة العمالية المغربية عن حركة الفلاحين : تجريدهم من تنظيماتهم الذاتية المسلحة : المقاومة وجيش التحرير، وتقوية التحالف الطبقي المسيطرة : البرجوازية التجارية والملاكون العقاريون الكبار، ودعم الأرستقراطية العمالية بالمغرب : توظيف عملاء المخابرات العالمية الإمبريالية في أوساط الحركة العمالية المغربية، ودعم القيادات البورجوازية الصغير للأحزاب وترقيتها اقتصاديا واجتماعيا عبر إرشائها وتعيينها في مناصب سامية، وإعدادها لمناصب برلمانية وحكومية.
بين نظرية الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية حول العنف الثوري، والممارسة العملية للعنف الثوري بالصحراء الغربية، تكامل بين الحركة الثورية والنظرية الثورية، لكن سنوات القمع والسجون حولت مسار المنظمات الثورية المغربية نحو التحريفية، نحو الانتهازية، التنازل عن المبادئ الثورية، عن مفهوم العنف الثوري والحزب الثوري، سقط المشروع الثوري للحركة الماركسية ـ اللينينية في السبعينات، سقط مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية.
سقطت النظرية الثورية في نظر التحريفية، لكن الممارسة العملية الثورية لم تسقط، فكان للعمل الثوري المزدوج، حمل السلاح من طرف الجهة والصراع السياسي بالمحافل الدولية، من أجل الاعتراف بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، بناء دولته المستقلة، كان المدخل السياسي للمفاوضات : الاعتراف بالجبهة، وقف إطلاق النار، سكتت البنادق بعد 15 عاما من الحرب الرجعية على الشعبين المغربي والصحراوي، الصراع مستمر على المستوى السياسي، التلويح بالرجوع إلى السلاح، أصبحت الحرب من جديد جزءا من أجندة الجبهة، استمرار الصراع السياسي بمنظمة الاتحاد الإفريقي، الجمهورية الصحراوية عضو مؤسس لها، التحق المغرب مؤخرا حاملا مشروع الحكم الذاتي، بين مشروع الاستقلال والحكم الذاتي تلوح الحرب الوطنية الثورية في الأفق.
إن تحريفية المنظمات الثورية السبعينية المغربية، ساهمت بشكل كبير في إخفاق الثورة بالغرب الأفريقي، لم تستطع هذه المنظمات استخلاص العبر من النضال الثوري للجبهة، بعد إخفاقها في تأسيس الحزب الثوري الذي يمكن أن يكون سندا لموقف الحركة الثورية بالصحراء الغربية : الثورة بالغرب الإفريقي، جزء كبير من المشروع السياسي للحركة معطل إلى حين، رغم أن الجبهة بإمكانياتها الذاتية استطاعت وضع طريق الثورة في الغرب الإفريقي، عبر الممارسة العملية للعنف الثوري، لم تستطع الحركة الخروج من نفق الصراع بين الخطين الثوري والتحريفي.
وشكل إشعال حرب ضد ـ ثورية بالصحراء الغربية في 1975 التي امتدت إلى 1991 لتبدأ الحرب الباردة حول وهم الاستفتاء وتقرير مصير الشعب الصحراوي، استمرارا للحرب الإمبريالية على ثورية الجنوب التي تعتبر الملهم التاريخي للثورة بالغرب الإفريقي وشمال إفريقيا.
حققت الجبهة مكتسبات كبيرة على المستوى السياسي، أصبحت دولة عضوا في المنظمة الإفريقية بتأييد من المنظمات الدولية، حققت للشعب الصحراوي مكاسب هائلة، على مستوى مراقبة خيرات البلاد، الدفاع عن التوزيع العادل للثروات، لطالما ناضل من أجلها الشعب المغربي دون جدوى، سالت من أجلها دماء كثيرة، كلما تقدمت السنوات تراجعت مكتسبات الشعب المغربي، الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية تتخبط في بناء مشروع غير واضح، نمت صراعات هامشية حول الخط الأيديولوجي والسياسي، خارج الممارسة الثورية الملموسة.
على هامش النضال السياسي برز الخط الثوري ـ خط الشهيد، على غرار خط قائد الجبهة الشهيد الولي مصطفى السيد : تيار يرفض المفاوضات ووضع السلاح، يناضل من أجل الاستقلال، من أجل اطلاق سراح المعتقلين الصحراويين بالسجون المغربية.

التجربة الثورية الجديدة بالغرب الإفريقي : الشهيد إبراهيم صيكا

يقول الشهيد : "أن تكون شيوعيا كاف، دون حتى أن تنتصر".

في ظل هذه الوضع السياسي العالمي الجديد تم دمج الصحراء الغربية في الاستراتيجية الإمبريالية الفرنسية بالغرب الإفريقي بعد اتفاق مدريد السري، من أهم برامج السياسة الإمبريالية بالمنطقة في ظل الاستعمار الجديد، بعد انهيار نظام فرانكو أمام حركة إيتا الثورية بعد قتل رئيس وزرائه بلانكو، تقدمه في السن، مرضه وفشله في القضاء على انتفاضة الشعب الصحراوي التي انطلقت في 1970، مما أعطى لحركة المطالبة بالاستقلال نفسا جديدا وساهم في تأسيس جبهة البوليزاريو في مارس 1973، بقيادة شباب ثوري ذي توجهات يسارية قرروا حمل السلاح وطالبوا بالاستقلال في نفس الوقت الذي انطلقت فيه الانتفاضة المسلحة بالأطلس المتوسط مما جعل الثورة بالغرب الإفريقي تتخذ مسارا جديدا، وتزامنت هذه الأحداث مع انشغال النظام الدموي بالمغرب بتصفية تناقضاته الداخلية : الانقلابان العسكريان في 1971 و1972، وبداية اعتقالات قيادات الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية وتصفية حركة 3 مارس، تم تتويجها بتأسيس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في 1975 والدخول فيما يسمى "النضال السياسي الديمقراطي" و"السلم الاجتماعي" و"الوحدة الترابية"، الشعارات المرفوعة لتصفية أي اتجاه ثوري مناهض للسياسات الاستعمارية الجديدة بالمغرب.
وكانت محاكمة الماركسيين اللينينيين المغاربة في 1977 حدثا تاريخيا في حياة الثورة المغربية خاصة منظمة إلى الأمام الصامدة في وجه الألة البوليسية للنظام الرجعي الدموي، بعد استشهاد الشهيد عبد اللطيف زروال في 1974 والشهيدة سعيدة المنبهي في 1977، لكن لم يستمر هذا الصمود طويلا بعد تراجع قياداتها عن الخط الثوري ومراجعته في الوقت الذي تشتد فيه أوزار الحرب الرجعية على الشعب الصحراوي، فبينما كل أصدقاء الصحراء الغربية الماركسيون اللينينيون الذين هتفوا بالحق في تقرير مصير الشعب الصحراوي ضد الحرب الرجعية أثناء المحاكمة يقبعون بالسجون، في نفس الوقت تنهمك قادات المنظمة على صياغة خط التراجع عن المبادئ الثورية تراجعا تلو تراجع تم تتويجه بخروج بعض أعضاء قيادة منظمة إلى الأمام من السجن قبل مضي مددهم السجنية، في حين ما زالت فيه أوزار الحرب تشتد، يرى الطفل الصحراوي المتمرد النور لأول مرة في 1984 : مشروع شهيد يولد بوادي أساكا بأيت باعمران، الشهيد إبراهيم صيكا.
في هذه الشروط ولد الشهيد، ابن مقاتل محترف، من حملة السلاح الباعمرانيين، شارك في هذه الحرب القدرة، كان صلبا، مقاتل تمرس بجبال أيت باعمران، ضد العدو المستعمر الإسباني، تم توشيحه بقلادة المقاومة وجيش التحرير، شارك في "المسيرة الخضراء"، معتقدا أنه في طريق تحرير الصحراء من المستعمر الإسباني، لم يخطر بباله أن حربا قذرة تنتظره، باعمراني يهوى حمل السلاح، انخرط في صفوف الجيش، في حرب الحكومات ضد الشعوب، حرب بين الحكومات ضد الشعوب، تمولها الحكومات ضد الشعوب، من أمريكا إلى الحجاز ومن شمال إفريقيا إلى روسيا، حرب ضد ـ ثورية، ضد الثورة بالغرب الإفريقي، من الصحراء الغربية إلى الزاييرـ الكونكو.
ولد الشهيد إبراهيم صيكا في ظروف تتسم بالقمع الشرس في أقصى تجلياته في فترة ثانية من قمع الانتفاضات الشبيبية المغربية 1984، لم يعرف وهو طفل، أن سجون النظام الملكي الدموي مليئة، بالشيوعيين، بالماركسيين، بالماركسيين اللينينيين، باليساريين، بالطلبة والتلاميذ المغاربة والصحراويين، بضباط الجيش المتمردين، مروا بدرب مولاي الشريف، بالكاب 1، 2، بأكدز، بقلعة مكونة، في كل مخافر الشرطة السياسية السرية والعلنية، ثمن باهض من أجل الحرية والديمقراطية يؤديه الشعب المغربي.
لم يعرف الشهيد وهو طفل أن التلاميذ الصحراويين، آباؤهم انخرطوا في صفوف الجيش الملكي الدموي في حرب الصحراء الغربية من أجل وقف الثورة بالغرب الإفريقي، تم الزج بهم في السجون، فقط بسبب تبادل الرسائل، بين طانطان ورزازات، بين زاكورة وطانطان، بثانوية ورزازات تم اعتقال تلاميذ صحراويين في 1976، تم الزج بهم بسجن أكدز، في شروط لاإنسانية، تم نقلهم إلى سجن قلعة، سجون حافلة بشباب صحراوي، شباب يهوى الحرية، آباءهم يموتون في حرب قذرة وهم يسكنون مع عائلاتهم في أكواخ من طين بمدينة ورزازات، انتشر حدث الاعتقال بين التلاميذ كالنار في الهشيم، انتشر الرعب في صفوفهم، أشباحهم تحوم بمطعم داخلية الثانوية، إذاعة ليبيا والجبهة تنقل الخبر.
عاش الشهيد طفولة محرومة كباقي أطفال أيت باعمران موشومة بمعاناة الأسرة مع الحرب الرجعية ضد الشعب الصحراوي، وككل أبناء العسكر بالجنوب من ورزازات إلى طانطان، حملة السلاح ضد الاستعمار الإسباني بالجنوب، بعد تفكيك جيش التحرير واندماجهم الملغوم في الجيش النظامي الرجعي بالمغرب، حملوا السلاح من جديد بالصحراء الغربية ضد الثوار الصحراويين الشباب بجبهة البوليزاريو، يهوى الباعمرانيون حمل السلاح لكن هذه المرة سلاح ضد ـ ثوري .
إبراهيم مع الأطفال المتمردين، يحملون السلاح في ألعابهم الطفولية، قطعة من قصب في أياديهم مختبئين بعضهم عن بعض بين الجدران الطينية ومزارع وادي أسكا، يقتنصون ضحاياهم من بينهم في طفولة متشبعة بروح القتال، الدفاع عن الوطن بحمل السلاح، هي لعبة الأطفال تحمل دلالات تاريخية مليئة بعبر الحروب الوطنية الثورية للشعوب ضد الحرب الإمبريالية على الشعوب المضطهدة، بعد تراجع ثورة الجنوب ضد الإمبريالية وتفكيك جيش التحرير بالجنوب وامتداداته بالصحراء الغربية، أصبح حمل السلاح ثقافة في أرض الصحراء الغربية الشاسعة التي يهوى سكانها الأصليون الحرية، لم يستطع الاستعمار الإسباني السيطرة على هذه الأراضي الشاسعة بعد القضاء على ثورة الريف، هذه الأرض التي بقيت طيلة تاريخها الطويل مجالا لانبعاث الثورة بشمال إفريقيا انطلاقا من غربها، حيف انطلقت أول امبراطورية بعد الغزو الإسلامي من موريتانيا منذ قرون، سقطت فيها امبراطوريات وبنيت فيها امبراطوريات جديدة، إنه قانون الحركة الثورية بالغرب الإفريقي، مازالت شروطه قائمة بحكم قوانين طبيعتها الجغرافية والجيوسياسية وتاريخها النضالي الثوري.
عاش إبراهيم، محروما من معانقة أبيه كل صباح، عندما يستيقظ، لما يغادر البيت في اتجاه المدرسة، ولما يرجع إلى البيت، خلال طفولته أرهقه سؤال غياب أبيه، قلق عايشه الأطفال الصحراويون، أبناء العسكر المحرومين في مجمعات سكنية مهمشة بالدواوير وضواحي مدن الجنوب، الجنوب الشرقي والأطلس المتوسط، حرمان حنين شقته الحرب تولدت عنه أمراض اجتماعية، الطفل المحروم يحيره سبب الغياب، وهو لا يعلم أن الحرب الرجعية بالصحراء الغربية تحصد أرواح العسكر تاركين وراءهم أبرياء في طفولة مبكرة، بنيران الإخوة الأعداء من أجل سيطرة الحكومات على الشعوب ضد إرادة الشعوب في الحرية والديمقراطية.
التمثيل بحمل السلاح يجعل ذكاء الطفل قويا، يبحث عن طريدته بكل اتباه المقاتل الحاذق، في أدغال جبال الواركزيز، ورمال العركوب، تشتعل النيران، بين الجلاميد وفي الرمال، نيران النابالم، تحملها طائرات الميراج و الF5، من مكناس إلى الصحراء الغربية، لفك اشتباك الإخوة الأعداء، بجبال الواركزيز، تفرغ الطائرات حمولتها، دون أن تميز بين الإخوة الأعداء، يموت كل الإخوة الأعداء بنيران حرب الحكومات على الشعوب.
كان لغياب أبيه العسكري، من حين لآخر مدة طويلة أثناء طفولته، أثر كبير في القدرة على صياغة السؤال، الذي أصبح مع تطور وعيه بتطور عمره العقلي والجسدي سؤالا فلسفيا، كان لا يعرف أن أباه في ثكنة العسكر مع رفاقه، في خندق الحرب الرجعية في الصحراء الغربية المشتعلة نارا، كان العسكري لما يرجع وهو في إجازة قصيرة يحمل هدايا الأطفال، كما هو حال رفاقه حملة السلاح الرجعي ضد الثوار الصحراويين الشباب، يدخل البيت يعانق إبراهيم، الطفل المتمرد يتعلق بأبيه لا يفارقه، في جلوسه، في نومه، في خروجه، في لقائه بأبناء البلدة، يستمع إلى حكاياته عن مغامرات العسكر، في خضم الحرب الرجعية بالصحراء الغربية، بين شظايا جثث الشهداء، شهداء الحرب القذرة بين الإخوة الأعداء، حرب الحكومات على الشعوب في مواجهة الحرب الوطنية الثورية.
غادر العسكري البيت إلى ساحات القتال، قد يرجع أو يموت، مقاتل عارف بواحات الصحراء الغربية، جبالها، كلما رجع إلى البيت يكون قد خرج من بوابة الموت ليعيش مرة ثانية، ثالثة، رابعة، نجا من الموت المحقق في اشتباكات قتالية فتاكة، من موت الحرب الرجعية على الشعب الصحراوي، بين الحرب النظامية الرجعية وحرب العصابات الثورية تبرز دروس القائد الثوري الجنرال جياب، كل الحروب الوطنية الثورية العالمية تحمل بصماته استمرارا لدروس القائد العظيم : هو شي منه، دروس الحرب الوطنية الثورية الفيتنامية ضد الحرب الإمبريالية.
طالت مدة الغياب هذه المرة، طالت الحرب القذرة، سفكت النيران أرواح الإخوة الأعداء، يرجع الأب في إجازة قصيرة، يدخل إلى البيت حاملا هدايا، يتعلق الطفل إبراهيم بالأب، يرافقه في كل تحركاته، حتى يغادر مرة ثانية .. وهكذا.
كلما رجع الأب من الحرب القذرة، تقول أمي عائشة : إنه قد ولد من جديد ! كان يحكي لها عن ذروة المعارك، شراسة النيران، الجثث المتناثرة، عن أعضاء الإنسان المنفصلة عن بعضها البعض، عن فقدان الإنسانية لمعناها الإنساني.
الطفل إبراهيم، يرقد بين أحضان الأب، يشعر بالدفء، رجع المقاتل الباعمراني المحترف، رجع من جحيم الحرب، يولد اليوم من جديد، يرى في الطفل مستقبل هذا الوطن، الوطن الذي فقد معناه، الوطن الذي تنخره حرب الصحراء القذرة.
يستيقظ الطفل باكرا، يحمله الأب على ذراعيه، يخرج للقاء أصدقاء البلدة، يحكي عن مغامرات الحرب القذرة، حرب الصحراء، حرب الحكومات على الشعوب.
تمر الأيام بسرعة البرق، تنته الإجازة، يغادر الأب البيت في اتجاه ميادين الحرب القذرة، ميادين الموت، يستيقظ الطفل، يبحث عن أبيه، لم يجد لغيابه جوابا.
في الريف، في الجنوب، في الجنوب الشرقي، في مراكش الحمراء، في الصحراء الغربية ، في كل مكان في هذا الوطن، انتفاضات شعب يتم مواجهتها بالرصاص، سنة 1984 سنة انتفاضات عارمة، للطلبة، للتلاميذ، للشباب الثائر، في هذه الشروط ولد الشهيد إبراهيم ضيكا.
بلغت حرب الصحراء الغربية أشدها، تصل الاشتباكات قرية تاكونيت، قرية طاطا، تم تهديد سجن أكدز، تم تنقيل التلاميذ الصحراويين المعتقلين من أكدز إلى قلعة مكونة .
كانت معارك الواركزيز أشد بطشا، صوت المراج الفرنسية لم ينقطع في سماء الجنوب والجنوب الشرقي، يختلط بصوت الF5 الأمريكية، سرعتهما تسبق سرعة الصوت، عند سماع أصواتها، يخرج الأطفال في القرى المهمة بالجنوب لرؤيتها، فقط صوتها هو الذي يؤكد مرورها هناك في السماء، لا يمكن مشاهدتها، تفرغ حمولتها على رؤوس المشتبكين، الإخوة الأعداء.
الجنود الذي نجوا من نيران الحرب القذرة، الذين لم يستطيعوا تحمل قوة ضغط العنف، أصوات الطائرات، أصوات قنابل النابالم، جن جنونهم، تم تسريحهم، بدون معاش، أو بمعاش زهيد، انطلقوا إلى بلداتهم مجنونين، يتصكعون بأزقتها في هولسة تذكرهم بأطوار الحرب القدرة بالصحراء الغربية.
كم جندي رجع إلى بلدته، بجبال الأطلس المتوسط والصغير، رجع فاقدا وعيه، شبح نيران النابلم يطارده، يهرول في أزقة بلدته الفقيرة، يتخيل الاشتباكات، شبح الحرب القذرة بالصحراء الغربية، الجنود جلهم شباب، انخرطوا في صفوف الجيش، دفعهم الفقر، علاهم ينقذون فقراء عائلاتهم الفقيرة، لم يعلموا أن الحرب القذرة بالصحراء الغربية ستنكس كل آمالهم، تقذف بهم نحو المجهول، من نجا منها، سقط في هوس الجنون.
في الفترة ما بين 1982 و1991 عرفت قضية الصحراء الغربية تطورات خطيرة بعد اعتراف النظام الملكي الدموي بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره أمام حكام الدولة الإفريقية بنيروبي، فبدأت حدة الحرب تنخفض، بعد استقبال زعماء جبهة البوليزاريو بمراكش، وفتح صفحة المفاوضات وترتيبات الاستفتاء الوهمي، ووقف إطلاق النار الهدف الأساسي في المشروع الجديد للإمبريالية بالصحراء الغربية، مرحلة جديدة من المفاوضات/المناورات السياسية : إحصاء الصحراويين يعرف تجاوزات، نزاعات بين الشيوخ، بين الإخوة الأعداء، الذين فرقتهم حرب الحكومات على الشعوب.
عرف الفساد في الصحراء الغربية دروته : تهريب البنزين والمواد الاستهلاكية، فتح سوق سوداء لتجارة المواد الرخيصة، أسعار المواد الاستهلاكية منخفضة ب50 في المائة، تجارة مربحة نشيطة بين الصحراء الغربية والمغرب من طرف مافيا التهريب، المضاربات العقارية نشيطة، الصحراويون يحضون بمكانة بعد الاعتراف بتقرير المصير، المنتظم الدولي يراقب حقوق الصحراويين : حق الشعب الصحراوي في الاستفادة من خيرات البلاد، كل ذلك من أجل إخماد نيران الحرب بالصحراء الغربية بعد بروز ملامح تغيير المواقع الاستراتيجية للحروب الإمبريالية الجديدة بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي.
استفاد الصحراويون من إعلان حقهم في توزيع خيرات الصحراء الغربية : الفوسفاط، الصيد البحري والضرائب، حالة استثنائية تنبعث هناك، نتيجة حمل السلاح، مرحلة الحرب الباردة بدأت، انتعشت المافيا التجارية.
إشاعة أكذوبة عالم جديد بعد إعلان انهيار الاتحاد السوفييتي بنشر أكذوبة "نهاية التاريخ"، حرب النظام الدموي بالمغرب على الشعب الصحراوي لم تعد له مبررات، الحرب الأولى على العراق تعلن تغيير مواقع الصراعات حول التقسيم الجديد للعمل، كل أنظار الإمبريالية تتجه إلى الخليج العربي، ما يسمى في أدبيات الحركة الماركسية اللينينية ب"الغرب العربي" وأطروحة "تصفية الإمبريالية" أصبح متجاوزا، مركز التغيير ب"العالم العربي" ينطلق من العراق، في اتجاه القضاء على كل مواقع المقاومة والصمود الشعبي من أجل تعطيل عمل القوى الثورية بالمنطقة العربية وشمال إفريقيا، بينما القوى الثورية بالغرب الإفريقي مازال تتحرك من الصحراء الغربية وامتداداتها بالساحل الإفريقي وصولا إلى السودان.
بعد إطلاق سراح بعض زعماء الحركة الماركسية اللينينية في 1991، الذين رفعوا شعار حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، والاعتراف بوجود معتقل تازمامارت، السجن الرهيب، الذي قضى به معتقلون حملوا السلاح ضد النظام الملكي الدموي، ضباط وعسكريون متمردون، من نجا منهم، قلة قليلة، تم إطلاق سراحهم، السياسيون والنقابيون الإصلاحيون الذين ساندوا الحرب على الشعب الصحراوي، يلتفون حول ما يسمى "الانتقال الديمقراطي" لذر الرماد في عيون الشعب المغربي، التاريخ يعيد نفسه بشكل مأساوي من إيكس ليبان إلى نيروبي والرباط.
في هذه الفترة تم إطلاق سراح الشباب الصحراوي القابع بمعتقل قلعة مكونة، حملوهم إلى ورزازات، تم استقبالهم بفندق فاخر، رفضوا تناول الطعام الفاخر الذي قدم لهم، يريدون معانقة الصحراء الغربية : شرب شاي بالخيمة مع الأهالي، لم يعرفوا، بعد عقد من الزمان بالسجون الرهيبة بعد اختطافهم بثانوية ورزازات، أن طفلا صحراويا ولد : مشروع شهيد، الشهيد إبراهيم صيكا.
لم يعرف الشباب الصحراوي الثائر : شباب الجبهة، أن نبراسا قد اشتعل، أن مرور 3 عقود من الزمان، ليس إلا لحظة في تاريخ الشعوب : من 1984 إلى 2016 : 32 سنة، هي عمر الشهيد، جزء من الحرب والحرب الباردة بالصحراء الغربية، حرب جديدة بدأت في 1991 بعد وقف إطلاق النار.
الشباب الصحراوي يحظى باهتمام كبير بعد احتجاجاتهم بالصحراء الغربية واستقبالهم من طرف وزير الداخلية بالرباط، الذي رفض استقبال الشباب الصحراوي الثوري في السبعينات : زعماء جبهة البوليزاريو، الطلبة الصحراويون يحصلون على امتيازات : المنحة، التنقل، الحي الجامعي، جزء من خيرات الصحراء، حقوق تم فرضها من طرف المنتظم الدولي، عائدات الصحراء الغربية للصحراويين .
انتهز بعض الصحراويين بتندوف الفرصة، انتهازيون دخلوا للظفر بامتيازات على حساب القضية، يطلقون صرخاتهم الكاذبة، يصنعون لأنفسهم مواقع سياسية وهمية، يروجون كذبة "الوطن غفور رحيم" : تصريحاتهم بالإذاعة والتلفاز، تلهم الانتهازيين، حتى يلتحقوا بالداخل، إلى جانب الصحراويين المتحزبين، المسيطرون على خيرات الصحراء الغربية، المضاربين العقاريين، تجار البنزين والمواد الاستهلاكية : تجار الانتخابات.
في هذه الفترة، كبر الطفل إبراهيم، في التعليم الابتدائي، يعي أن أباه عسكري، خبر معارك الحرب بالصحراء الغربية، بدأت تكبر في ذاكرته، ذكريات إجازات أبيه، الهدايا التي يحملها، حديثه مع أبناء البلدة.
كانت سنوات ما بين 1991 و 1999 سنوات التحولات السياسية الشكلية للنظام الملكي الدموي، حيث تم التخطيط لانتقال السلطة من ملك إلى ملك بسلاسة، بدءا بما سمي "العفو لسنة 1995"، مرورا "حكومة التناوب" وصولا إلى "طي صفحة الماضي"، بعد العفو عن المعتقلين والمنفيين السياسيين، أغلبهم من الحركة الماركسية اللينينية المغربية، الذين انخرطوا فيما سمي "التجميع"، الفصائل الثلاثة للحركة الماركسية اللينينية المغربية، "إلى الأمام"، "23 مارس"، "لنخدم الشعب".
تم تهيء هذه الشروط بتأسيس "الكتلة السياسية" : التحالف الحزبي بين الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال، وتنظيم الإضراب العام من طرف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب في 14 دجنبر 1990، الذي أسفرت عن شهداء ومعتقلين بعد قمع انتفاضة فاس، وتوقيع اتفاق فاتح غشت 1996 من طرف مؤتمر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والذي يضرب حقوق العمال وانعقاد مؤتمرها في مارس 1997 بحضور وزير الداخلية إدريس البصري، الذي خاطب الكونفدرالية في سابقة خطيرة تؤشر على بيع ما تبقى من حقوق الشعب المغربي علانية.
هكذا تمت شروط تأتيت المشهد السياسي الجديد/القديم الكل شارك فيها حتى جبهة البوليزاريو التي دخلت في سلم مع النظام الملكي الدموي دون ضمانات سياسية تصون حقوق الشعب الصحراوي : دخلت في مفاوضات من أجل تقرير مصير الشعب الصحراوي بلا أفق، فقط الطلبة القاعديون والصحراويون ـ خط الشهيد وامتداداتهم خارج الجامعة وحدهم ضد المشهد المأساوي مما كلفهم الاعتقال والاستشهاد.
بدأت هذه المسرحية السياسية، في إدماج تام بين عروض الملهاة والمأساة السياسية عبر ما يسمى "الانتقال الديمقراطي"، المؤامرة السياسية في نسخها الثالثة بعد 1956 و1975 تأتي مؤامرة 1998 تاريخ بداية الشوط الثالث من المؤامرة : الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يقود الحكومة الديمقراطية البرجوازية المزورة، التي افتتحها اليوسفي بمقولة "الكتاب بيني وبين الملك" هذا الكتاب الميتافيزيقي الذي كبل القوى الثورية وأنعش الانتهازية.
تمت هذه الشروط في مؤامرة مكشوفة شارك فيها جميع اليساريين، إلا القلة القليلة منهم، كل بالصيغة التي تحلو له، حتى الماركسيين اللينينينن الذين أدوا ضريبة موقف تقرير مصير الشعب الصحراوي في محاكمة 1977 غاليا، باعوا الموقف بما يسمى "الإنصاف والمصالحة"، الكل يبحث عن موقع ساسي في المسرحية السياسية الجديدة.
لقد استطاع النظام الدموي ترويض جميع السياسيين إلا القلة القليلة منهم تم تهميشهم، خاصة منهم الشبيبة الماركسية اللينينية بالجامعات التي لم تسلم من سموم الاتجاهات الانتهازية الجديدة في الحركة الماركسية اللينينية.
في ظل هذه الشروط الجديدة/القديمة، التي ترعاها الإمبريالية خاصة الفرنسية المستفيدة الأولى من هذه الأوضاع السياسية، برزت سمسرة المواقف السياسية، الكل قابل للبيع والشراء، في ظل نقل مفهوم التجارة في السوق من المجال الاقتصادي إلى المجال السياسي والثقافي، الكل يبحث عن سوق لسلعته السياسية البائرة في المزاد العلني للسلع المستعملة.
في ظل هذه الشروط الجديدة/القديمة ناضل الشهيد إبراهيم صيكا من أجل استنهاض القوى الثورية الشبيبية في صفوف الطلب الصحراويين بالجامعات المغربية.

إعادة بناء مفهوم النضال الديمقراطي الثوري

الشهيد إبراهيم صيكا : وحدة النضال ضد العدو المشترك.

خرج الشهيد من أيت باعمران حاملا سلاحه، السلاح الذي حمله الشهيد سلاح فتاك، رأى في محيطه الطفولي كل أشكال الحرمان : الفقر يسود في مجتمع منح الكثير لهذا الوطن، حتى أصبح لعب الأطفال بالسلاح جزءا من هواية الطفولة المحرومة، أثناء الخروج من المسيد، في بدايات تحصيل العلم والمعرفة، كان لعب الأطفال تعبيرا بالتمثيل باللعب بالنار، بين حمل سلاح اللعب بالنار في الطفولة المحرومة وحمل سلاح الفكر الثوري، يكمن موقف الدفاع عن الهوية الثورية للصحراويين الباعمرانيين، في الممارسة النضالية للشهيد في حركة الطلبة الصحراويين، أصبح لديه سلاح الكلمة زاده الوحيد في عالم الحرب الرجعية التي تحاصره في كل مكان، نطقها، كتابتها، شيئا فشيئا تكبر في ذهن الطفل ذي الجذور الثورية، كلمات كلها رفض الواقع المر، واقع لم يفهمه في مدرسته المهمشة مرورا بالثانوية بقرية كلميم، باب الصحراء كما يسمى، حيث نضج وعيه عبر متابعته لحركة الطلبة الصحراويين، في احتجاجاتهم مطالبين بحقوقهم في التعليم والشغل، اليوم تكبر الكلمات في وعيه حاملة دلالات ثورية واضحة المعالم، وجدت في ممارسته الثورية وعاء يسقيها لتكبر أكثر فأكثر.
خرج الشيوعي الصحراوي المتمرد من أيت باعمران، دار المقاومة وجيش التحرير، إلى مراكش الحمراء عاصمة الإمبراطوريات التي انطلقت من الغرب الإفريقي لتشمل كل بلدان شمال إفريقيا وجنوب إسبانبا/الأندلس وامتداداتها بالغرب الإفريقي إلى واد السنيغال، صحراوي مخضرم : أمازيغي ـ صحراوي بالطبيعة والتاريخ، من وادي أسكا إلى تانسيفت طلبا مزيدا من العلم والمعرفة، في الوقت الذي كانت في حركة الطلاب الصحراويين في أوجها، انتفاضاتهم بالصحراء الغربية مطالبين بالاستقلال، رافضين المفاوضات السياسية، تمت خلالها ولادة الخط الثوري : خط الشهيد الولي مصطفى السيد.
ما بين 1995 و2005 تمت سمسرة السلع السياسية البائرة خلال سنوات السبعينات والثمانينات : الماركسيون اللينينيون الفاشلون يحومون بضواحي القصر، الشعب المغربي يتم استبعاده عن اللعبة السياسية للمرة الثانية تحدث المؤامرة بأياد جديدة، يحملون ملفاتهم الفارغة من المضمون السياسي الماركسي اللينيني، يعرضونها للبيع، يتهافتون في طوابير تسليم الشيكات من زعيمهم القيادي التاريخي التصالحي "بنزكري"، لكل زعيمه في تجارة الملفات السياسية ولكل منهجه في لعبة المؤامرة على الشعب المغربي، في نسخة مشوهة لملفات "المقاومة وجيش التحرير" نسخة باسم "الإنصاف والمصالحة" على حساب مصالح العمال والفلاحين، في النسخة الثانية من بيع دماء الشهداء، هذه المرة تمتزج معها دماء شهداء الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية واليسار الثوري المغربي، بعد بيع دماء شهداء حملة السلاح ضد الاستعمار القديم والجديد، وحملة سلاح الفكر الماركسي اللينيني.
في ظل هذه الشروط، قطع الشهيد إبراهيم صيكا مسار سنوات الدراسة الابتدائية والثانوية، ليلج الدراسات الجامعية، وقد عرفت قضية الصحراء الغربية نشاطا كبيرا بداخل أسوار الجامعات المغربية، عبر نضالات الطلبة الصحراويين السياسية والاقتصادية، التحق الشهيد بهذه الحركة فأصبح أحد قيادييها البارزين، كانت حنكته في التنظيم قوية، أصبح تحت أعين المخابرات والبوليس السياسي، علمه حرمانه في سنوات الطفولة كيف يكون أمميا في طرحه للقضايا السياسية بارتباطها بالحرب الإمبريالية ومصالحها الطبقية على الشعب الصحراوي، ساهم في بروز الطرح التقدمي الأممي لقضية الصحراء الغربية الذي تجاوز الطرح القومي للجبهة، أي ربط قضية تقرير مصير الصحراويين بالواقع الموضوعي للاستعمار الجديد بالمغرب في علاقته بتقرير مصير الشعب المغربي، الطرح الذي يلتقي بالمنظور الماركسي اللينيني للقومية في علاقتها بالأممية البروليتارية، الذي تخلى عنه رواد "التجميع" و"الإنصاف والمصالحة"، رواد الانتهازية التي برزت بشكل علني بعد "العفو سنة 1995"، التي اختزلت مصير الشعب المغربية في نزاعاتهم الزعاماتية داخل الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية التي تم تصريفها على شكل تنظيمات سياسية تحريفية قزمية.
كان للحركة السياسية للشباب الصحراوي داخل الحركة الطلابية التي قادها الشهيد بشكل عقلاني أثر كبير في الضغط الجماهيري بالصحراء الغربية من طرف الشبيبة عبر الاحتجاجات بالأحياء الشعبية خاصة بالعيون، مما أعطى نفسا جديدا للطرح السبعيني الذي قاده الشهيد الولي مصطفى السيد داخل الحركة الطلابية المغربية قبل تأسيسه للجبهة والدولة، مما أثار انتباه البوليس السياسي والمخابرات السرية المغربية التي تتابع حركة الطلبة الصحراويين التي عرفت دينامية جديدة بعد كشف مؤامرات النظام الملكي الدموي وتهاون قيادات الجبهة في ظل مفاوضات مغشوشة دون الوصول إلى حل للقضية، مما ساهم في تأسيس خط الشهيد الولي مصطفى السيد في صفوف الشبيبة الصحراوية المناقض لخط قيادات الجبهة، مما قطع الطريق أمام محاولة خلق شبيبة صحراوية موالية للانتهازية الصحراوية بالأحزاب الاصلاحية التي تم فضحها وتغيير مسار الحركة الطلابية الصحراوية في علاقتها بالطلبة الماركسيين اللينينيين المغاربة بالجامعات المغربية، أدى على إثرها الشهيد ضريبة النضال الثوري بثلاث سنوات سجنا نافدا، في محاكمة صورية تم فيها تلفيق تهم رخيصة للشهيد كعادة البوليس السياسي من أجل تفادي المحاكمة السياسية للطلبة الصحراويين.
هكذا بدأ من جديد المسار الحقيقي لدولة المخابرات، دولة البوليس السياسي، استمرارا لسنوات القمع الأسود بطرق أكثر مأساوية، التي يتبجح رفاق بن زكري بتجاوزها ومعالجتها عبر تلقي الرشاوى مقابل كتابة توصياته الوهمية حبرا على ورق سرعان ما تم طرحها في مزبلة التاريخ، التاريخ يعيد نفسه بشكل مأساوي عبر تلفيق تهم لطلب غاضبين عن أوضاعهم الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية وأوضاع عائلاتهم الفقير بالبوادي وهوامش المدن المغربية والصحراء الغربية، وأصبحت السجون بالمدن الجامعية مليئة بالطلبة المعتقلين الماركسيين اللينينيين والصحراويين، بتهم ملفقة، حد الاستشهاد.
خرج الشهيد إبراهيم صيكا في مغامرات في سواحل المعرفة، من أسكا إلى النيل، من أيت باعمران إلى أرض الكنانة، أم الدنيا، مرورا بمراكش الحمراء، بالجامعة، بدهاليز سجن بولمهارز : دروس من تاريخ النضال الثوري تستمر عبر مناضلين صحراويين ثوريين يرفضون الاستسلام للانتهازية الصحراوية، يشقون طريقهم بالجامعات المغربية بعد 30 سنة من مغادرتها من طرف زعماء جبهة البوليزريو، حيث تنتعش حركة الطلبة الصحراويين، ترفض الفساد المستشري على حساب القضية الصحراوية، على حساب تفقير الشعب الصحراوي، وبيع دماء شهداء الحرب، يستلهمون ثورتهم الجديدة من روح الشهيد الولي مصطفى السيد، الذي يسمى خط الشهيد المعارض للمفاوضات السياسية التب قادتها الجبهة.
غادر الشهيد إبراهيم صيكا السجن، حاملا إجازة في علم الاجتماع، يعلم أنه لا مجال لمتابعة دراسته في ظل شروط القمع الأسود، متجها إلى مصر لدعم من عائلة ماديا ومعنويا، كما فعل يوما بن خلدون لما ضاقت به الحال بالمغرب، بعد هروبه من طغيان أمراء الأندلس رفضا حياة البلاط، رفض كراسي السلطة على أنقاض الفقراء وحل بمصر نشرا المقدمة : الكتاب الذي حول مجرى النظر إلى التاريخ، وضعا أسس علم الاجتماع، انطلاقا من الدراسة المادية للوقائع والأحداث خارج القصور والدواوين، في الممارسة العملية للواقع الموضوعي المتحرك، هكذا اختار الشهيد ديار الغربة من أجل متابعة دراسته حيث حصل على شهادة الماسر في علم الاجتماع السياسي، وكأنه يعيد ما جرى لابن خلدون في شروط أكثر مأساوية، يعتبر فيها كل صحراوي رافض للواقع المزري للصحراويين، رفض المتاجرة بقضية الصحراء الغربية، متهما بالانفصال، التهمة المجهزة لنزع هويته الإنسانية، ككائن بشري يفكر، من حقه التعبير عن رأيه والدفاع عنه بكل حرية.
رجع الشهيد حاملا تجربة خارج حدود البلاد التي كان فيها يوما غريبا بسبب أفكاره معمقا نظرته الأممية للقضايا وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية، أممي في دراسته، تحليله، أنشطته الجماهيرية، ضد الفقر، الفقر قضية أممية، قضية الصراع ضد الطبقات المسيطرة، ضد الأولغارشيا، في التحالف الجماهير، في الوحدة في العمل الجماهيري، ضد العدو الوحيد، في تحالف الطبقة العاملة والفلاحين، كل خطاباته تنبع منها روح الأممية، روح نداء ماركس "يا عمال العالم اتحدوا !".
للمرة الثانية، يعيد البوليس السياسي ممارسته الحاطة بالكرامة، ضد الشهيد، في شروط أكثر مأساوية، بباب الصحراء الغربية، أيت باعمران وادنون، حيث الشهيد بعد رجوعه من الغربة عانق من جديد هموم جماهير الفقراء، بشوارع كلميم المهمشة، المعزولة، يقود مجموعة الرفض، مجموعة المعطلين، المحرومين من الحق في الشغل، ينظمهم، يوجههم، يعلمهم معنى أن تكون مثقفا عضويا، مرتبطا بهموم جماهير الفقراء، أن تكون منحازا للمضطهدين، أن تترجم مضمون المقدمة في أرض الواقع، أن ترفض هذا الواقع، أن تعمل على تغيير هذا الواقع، هكذا انخرط الشهيد في الحركة الجماهيرية بكلميم، ليس من أجل الشغل فقط، بل أيضا من أجل وضع أسس البناء الجماهيري لتغيير الواقع الملموس، ذلك ما أزعج البوليس السياسي، الذي قرر اعتقال الشهيد، في عز استعداده لتحمل مسؤولية قيادة النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين بكلميم.
خرج الشهيد من بيته، كما هي عادة، دائما يكون الأول في موعد المعارك النضالية، في اتجاه مكان الوقفة الاحتجاجية، في الشارع العام مع رفيق له، مرافق له في كل حركاته، تنقض عليه ذئاب البوليس السياسي، تعتقله، تكبل يديه، تحجب عينيه عن النظر، تطرحه بداخل عربة الاعتقال، تنقض عليه الذئاب بكل وحشية، تنهال عليه بالضرب عشوائيا، تنتزع منه مفاتيح البيت، تداهم منزل العائلة، تفتش المنزل، غرفة، غرفة، أمي عائشة لم تفهم أي شيء، غير أنه الهجوم الوحشي، عبرت عن رفضها لهذه الممارسة الحاطة بالكرامة، رفضت اعتقال ابنها الشهيد، إنها ممارسات سنوات القمع الأسود، في أبشع تجلياتها، في شروط مأساوية، في واضحة النهار، في السبعينات كانت تقع في أوقات متأخرة من الليل، ما يسمى زوار الليل، يداهمون منازل المناضلين يعتقلونهم، هي نفس الممارسات ضد المناضلين، اليوم في واضحة النهار.
الهدف من اعتقال الشهيد، هو لجم الحركة الجماهيرية بكلميم، التي بلغت أشدها، بعد عزمه معانقة هموم الفلاحين الفقراء بواد أسكا بعد اشتغاله أربعة أشهر في صفوف المعطلين بكلميم، بواد نون، بأيت باعمران، البوليس السياسي قرر اعتقاله، اغتياله، ضرب هذه الحركة في مهدها، بتهم ملفقة، مضحكة، تنم عن تخلف البوليس السياسي المغربي، تهم الضرب والجرح، إهانة موظفين، من يقرأ محاضر الشرطة القضائية، يفهم جيدا معنى القمع، معنى قمع الحريات، معنى إعادة سيناريوهات اعتقال الشهيد وهو طالب، تم إقحام تلك التهم فيما يسمى سوابق، إدراجها في محاضرهم المزورة، كل ذلك من أجل إهانته كمثقف عضوي، مرتبط بهموم الجماهير، من أجل فصله عن الجماهير، بمخافر البوليس السياسي، تعرض للتعذيب، تم نقله عدة مرات إلى المستشفى، رفض التوقيع على المحاضر المزورة، أخبر قاضي النيابة العامة بالتعذيب الذي تعرض له، تمت تزكية جميع التهم التي سجلها البوليس ضده من طرف القاضي، بدأت محاكمته دون مراعاة حالته الصحية المتدهورة، ينهار بالسجن، يتم نقله إلى المستشفى الجهوي بأكادير، في طريق الشهادة.
كان اعتقال الشهيد في فاتح أبريل 2016 ضربة للحركة الجماهيرية بكلميم وادنون، تشكلت لجنة التضامن مع المعتقل، معتقل الحركة الجماهيرية، من الإطارات السياسية، الحقوقية، النقابية والجمعوية متضامنة، مستنكرو الاعتقال التعسفي الذي تعرض له الشهيد، دون أن يتم بلورة هذا الموقف السياسي الشكلي إلى فعل ملموس في الواقع بقدر ما حولته الانتهازية والاصلاحية إلى صمام أمان للصراع بين الشبيبة والتحالف الطبقي المسيطر الذي تحول إلى المواجهة المباشرة : اعتقال قائد الشبيبة الواعية.
وشكل هذا الاعتقال التعسفي بالنسبة للنقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين ضربة للتنظيم الجماهير بكلميم وادنون، فبعد الهجوم الذي تعرضت له النقابة طيلة ثلاث سنوات مضت لفرملة عملها وعرقلة تطور تنظيمها بالجهة، جاء اعتقال الشهيد باعتباره مناضلا جماهيريا، تقدميا، أمميا التحم بصفوف الفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين، لوقف توسيع العمل النضالي في أوساط الجماهير الشعبية، وفقدت بذلك النقابة الفلاحية أحد المنظرين للتنظيم الجماهيري للفلاحين، ومعلم طليعة الشباب التقدمي في جهة تعرف تهميشا ممنهجا وهجوما منظما على حقوق الفلاحين الصغار والفقراء وكافة الجماهير الشعبية، في جهة تتحكم فيها مافيا العقار التي حولت الجهة إلى مرتع للمضاربات العقارية ومجال لنهب المال العام، ومنطقة تحولت إلى مسرح لقمع الفلاحين الصغار والفقراء، وكانت النقابة الفلاحية فيها أحد أعمدة النضال الجماهيري ضد مافيا العقار.
كل الأجهزة القمعية تم تسخيرها لنزع حقوق الفلاحين الصغار والفقراء : أعوان السلطات، المستشارون الجماعيون عديمو الضمير، الشرطة والدرك، مؤسسة القضاء، شهود الزور، سماسرة الانتخابات ... كل هذه الأجهزة القمعية مجتمعة، مسخرة من طرف مافيا العقار ترى في كل تحركات الشهيد والمجموعة الشبابية الملتفة حوله، وتوسيع هذه المجموعة لتشمل الفلاحين الصغار والفقراء، خطرا على مصالحها التي تتوسع لتشمل الجهة قاطبة : السيطرة على أراضي الجموع، أراضي الفلاحين الصغار الخاصة، الوديان، الواحات، السهوب، الجبال، الخيرات الطبيعية بصفة عامة، من أجل وقف زحف النضال الجماهيري الثوري في اتجاه الصحراء الغربية التي تعرف غليان احتجاجات الشبيبة الصحراوية في صفوف المعطلين، من أجل وقف وحدة النضال الجماهيري ضد العدو المشترك الذي ينظر له الشهيد بعد بروز إمكانية التحالف مع الفلاحين.
لقد أصبح الفلاحون الصغار والفقراء يتنفسون رائحة الموت، في كل حركاتهم وسكناتهم، في كل مطالبهم بحقوقهم، في كل محاولة التنظيم في صفوف النقابة الفلاحية، في مخافر الدرك والشرطة، ودهاليز النيابة العامة، والسجون، ومكاتب المحاكم وجلسات المحاكمات الصورية، يتنفسون رائحة الزور، الأحكام الصورية، الاعتقالات التعسفية، التهديد بالقتل... يشاهدون بأم أعينهم أراضيهم يتم اغتصابها، ممتلكاتهم يتم حجزها تعسفا بأحكام جائرة، أموال عامة يتم استغلالها للسيطرة على أراضيهم باسم مشاريع الدولة الفلاحية.
كان الشهيد، بحكم تكوينه السوسيوـ سياسي يرى كل هذه الممارسات غير طبيعية، في منطقة عرفت في الماضي القريب مقاومة الاستعمار، ثورة أحمد الهيبة ضد الاستعمار واستمراريتها بأيت باعمران، إلى تاريخ قريب جدا : القضاء على جيوب الاستعمار الإسباني بجبال الأطلس الصغير، على مشارف المحيط الأطلسي، سيدي إفني، كان أب الشهيد من المقاومين، من حملة السلاح في هذه الحرب التحررية، كان ابنه الشهيد، يرى في كل تضحيات أجداد وآباء الفلاحين الصغار والفقراء بوادي أسكا، وادنون، أيت باعمران تاريخا قد مضى، تاركا وراءه مأساة شباب أيت باعمران وادنون، تاريخ يعيد نفسه بشكل أكثر مأساوية، حينما يكون العدو من صلب من ضحى الأجداد والآباء من أجلهم، تاريخ في حاجة إلى تصحيح.
إنه الاستعمار الجديد، حكم الألغارشيا كما يسميه الشهيد : استعارة من أدبيات المنظور الماركسي اللينيني للنظام الملكي الدموي، نظام الإقطاعيات البرجوازية العربية حلت مكان الاستعمار القديم، في استمرارية قوانينه الاستعمارية وتجلياتها في المضاربات العقارية كما سمته النقابة الفلاحية، في شعارها في المؤتمر الجهوي لسوس ماسة وكلميم وادنون في 02 يناير 2016 بأكادير، في نضال الفلاحين الصغار والفقراء ضد الملاكين العقاريين الكبار، الذين اغتصبوا الأرض، الماء والثروات الطبيعية ببلادنا، هكذا قيم الشهيد الوضع السياسي بالمغرب متجاوزا المنظور القومي ـ الشوفيني للتحليل، الذي يحاصر كل شيء إلى المنظور القبلي، الإثني، في بناء الدولة، مركزا التحليل الطبقي : من المفهوم القومي في علاقته بالمفهوم الأممي لبناء الدولة، بدءا بالنضال من أجل كسر قيود التفكير القومي ـ الشوفيني مرورا بمعانقة معاناة أوسع الجماهير المضطهدة وصولا إلى بناء وحدة النضال الجماهيري، في قاعدته الواسعة لتحالف العمال والفلاحين، لكون العدو واحدا ومشتركا، كما يقول الشهيد.
هكذا رأى الشهيد ضرورة توسع مجال النضالي الديمقراطي الثوري ليشمل جماهير الفلاحين الصغار والفقراء، ورأى النقابة الفلاحية منفذا لتنظيم أوسع الجماهير في علاقته بالتحالف الطبقي بين العمال والفلاحين، في علاقته بالتحالف التاريخي بين البوادي والمدن، ضد هجوم الملاكين العقاريين الكبار، على الأرض، الماء والثروات الطبيعية، بالبوادي وضواحي المدن، ولم يكن اعتقال واغتيال الشهيد منفصلا عن مخطط مافيا العقار، الهادف إلى قطع الطريق أمام توسع العمل النقابي الفلاحي الجماهيري التقدمي، في أوساط الفلاحين الصغار والفقراء بجهة كلميم وادنون، وبالتالي بالصحراء الغربية عامة، خاصة بعد نشر تهمة الانفصال والتخابر مع الجبهة، التهمة المشروخة الملفقة للنقابة الفلاحية بعد استشهاد الشهيد دون أن يتوفر البوليس السياسي القمعي على أدنى دليل بعد اعتقال الشهيد وتفتيش منزل عائلته بشكل تعسفي قمعي، فتم تسخير الانتهازية داخل النقابة الفلاحية من أجل تصفية التنظيم الفلاحي التقدمي داخل الاتحاد المغربي للشغل.
إن منظوره الأممي لم يستثني قضية الصحراء الغربية من مشروع بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية، لم ينحز إلى النظرة الفاشية للنظام الملكي الدموي ولا إلى القومية ـ الشوفينية للجبهة الذي حاولت المخابرات تلفيقها للشهيد، إنما كان موقفا ماركسيا لينينيا يرى الحل في شموليته : وحدة النضال ضد العدو المشترك كشعار مركزي رفعه الشهيد.
كان يوم اعتقاله بالشارع العام حاما لسلاحه الوحيد، الذي يحمله دائما، فكره الأممي في علاقته بالممارسة العملية، وحول احتجاجات المعطلين إلى منبر للتحليل المادي للوضع السياسي العام والمهام المنوطة بالمناضلين وخاصة الشبيبة الثورية، في شكل من أشكال الجامعة الشعبية المفتوحة على عامة الجماهير الشعبية، محورها الشبيبة الرافضة للوضع السياسي عامة والوادنوني خاصة، هذا المنبر الشعبي الذي يتنقل إلى صالونات الأحزاب، النقابات والجمعيات الحقوقية خلال أنشطتها السياسية، النقابية والحقوقية في مناسباتهم المعروفة وفي غير مناسبة، يتخذها الشهيد منبرا لإبراز القضية : إشكالية الحرية والديمقراطية في ظل نظام ملكي دموي.
كانت الفترة القصيرة التي قضاها في صفوف التنسيق الميداني للمعطلين الصحراويين بكلميم كافية لبلورة منظوره للنضال الديمقراطي الثوري في أوساط الشبيبة الوادنونية الواعية، وكان لضيق الأفق التنظيمي الانتهازية والاصلاحية بالمنطقة أمام شبيبة واعية يحير الشهيد، مما دفعه للبحث عن تنظيم أوسع وأقوى، فكانت النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين في نظره الإمكانية الوحيدة لتوسيع أفق العمل الجماهيري التقدمي ضد التحالف الطبقي السائد وخدامه الانتهازيين والاصلاحيين، ورأى في تاريخ نضال هذا التنظيم بوادنون إمكانية لأفق "وحدة النضال ضد العدو المشترك" في التحالف بين الفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين وأبنائهم المعطلين، وكان البوليس السياسي يتابع كل خطواته النضالية مخططا لتلفيقه التهمة المعروفة المشروخة بقوة استعمالها منذ السبعينات من القرن 20 : الانفصال.

إعادة هيكلة بناء النظام الملكي الدموي

أصبحت قضية الصحراء الغربية تدور رحاها في المحافل الدولية مما أجج الصراع المتواصل بين النظام الملكي الدموي، الذي يرى فيها شماعة يعلق عليها جميع تناقضاته الداخلية والخارجية من أجل عرقلة الحركة الثورية المغربية، والجبهة التي حققت مكاسب سياسية واقتصادية منذ نونبر 1984، لما انسحب من منظمة الوحدة الإفريقية وترسيم الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في الاتحاد الإفريقي في يوليوز 2002 باعتبارها أحد المؤسسين للاتحاد، مما أعطى للجبهة قوة سياسية جديدة، بعد فشل الأمم المتحدة في تنفيذ اتفاق 1991 : الاستفتاء على تقرير مصير الشعب الصحراوي، وتوقيف المفاوضات حوله.
وأصبحت قضية الصحراء الغربية ذات بعد دولي جديد خاصة بعد انتقال الحركة الثورية من الغرب الإفريقي إلى الشرق الإفريقي في 2011 وإجهاضها من طرف التحالف الإمبريالي ـ الصهيوني ـ الرجعي العربي، بعد إشعال الحروب بالخليج العربي وشمال إفريقيا استمرارا للحرب الأمريكية ـ البريطانية على الشعب العراقي في 1991 وامتداداتها بعد احتلال العراق في مارس 2003، وبروز ملامح المشروع الجديد للحروب اللصوصية بالغرب الإفريقي، بعد تحويل المشروع الاستعماري العسكري الأمريكي أفريكوم من طنطان إلى النيجر بحكم موقع الحروب الإمبريالية المستقبلية بالساحل الإفريقي، الشيء الذي أجل التسوية السياسية بالصحراء الغربية وفتح أبواب الغرب الإفريقي على مشروع الحروب الإمبريالية بإفريقيا، انطلاقا من الخليج العربي عبر دول الساحل الإفريقي الغنية بالطاقة والمعادن الثمينة من الشرق إلى الغرب.
لم تكن الحرب بالصحراء الغربية منفصلة عن الأساس الاقتصادي للسياسة الاستعمارية الإمبريالية بالغرب الإفريقي خاصة وأن المنطقة غنية بالطاقة والمعادن الثمينة، التي ترى فيها الإمبريالية خاصة الفرنسية كنزا يجب السيطرة عليه، وترى في النظام الملكي الدموي أداة لحروبها بالغرب الإفريقي : الحرب الفرنسية على مالي، فكان لابد من دعم هذا النظام التبعي اقتصاديت خاصة وأن البعد الاقتصادي الذي اتخذه في المرحلة الجديدة للملكية، التي اتجهت إلى الاستثمار في الشعب المغربي وخيرات بلادة، بعد توقيع اتفاقيات التجارة الحرة ومناطق التبادل الحر وفتح المغرب على السمسرة التجارية العالمية، عبر عرض البلاد للبيع : الأرض، البحر، المعادن الثمينة، من أجل تنمية الرأسمال التجاري للملك وإدماجه في الرأسمال الإمبريالية عبر الهولدنغ الملكي الذي يقدر رأسماله ب6 مليارات من الدولار يستثمرها في الطاقة والمعادن، المعاملات المالية عبر المجموعة البنكية التابع له، الأملاك العقارية العمرانية والفلاحية وغيرها، وتشكيل تحالف البرجوازية التجارية والملاكين العقاريين الكبار، الذين يملكون رساميل أقل تدعم الهولدينغ الملكي وعلى رأسهم وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات والتنمية القروية، ويشكل التحالف الطبقي الحاكم والمتحكم في الرأسمال المالي المحلي عبر التجارة في خيرات البلاد عبر السوق التجارية الداخلية.
وكان لسيطرة الرأسمال المالي الإمبريالية على الرأسمال التجاري بالمغرب عبر السيطرة الفرنسية التي تربطه بها اتفاقيات استعمارية على شكل ضرائب/جزية على الشعب المغربي يؤديها من صلب الأساس الاقتصادي الوطني : التحكم في صادرات المعادن : الفوسفاط، الذهب، الفضة، الكوبالت، المنغنيز وغيرها، التحكم في صادرات الصيد البحري، التحكم في صادرات الإنتاج الفلاحي : الحوامض، البواكير، الكروم، القنب الهندي وغيرها، مما حول بلاد المغرب إلى مقاطعة استعمارية للإمبريالية الفرنسية التي تتحكم في اقتصاده عبر البنك المركزي الفرنسي والشركات الإمبريالية الفرنسية، التي فتحت هامشا من الاستثمار بإفريقيا للبرجوازية التجارية الحاكمة بالمغرب جزاء لخدماتها العسكرية بإفريقيا : الحرب بالكونكو ومالي، لكن سرعان ما اصطدمت بقرارات الاتحاد الإفريقي في ظل موازين قوى اقتصادية جديدة تشكلت بالقارة، بعد تجربة التبادل التجاري الإفريقي مع الصين واليابان، مما حول الاتحاد الإفريقي إلى قوة سياسية ضاغطة أمام المستثمرين الرأسماليين الذين يلزمهم الاتحاد بتوقيع الاتفاقيات التجارية تحت إشرافه.
وفي عز الحراك الشعبي بالحسيمة في 2016/2017، الذي اندلعت احتجاجاته بعد طحن التاجر الصغير الشهيد محسن فكري في الشارع العام، في ظل ما يسمى البلوكاج الحكومي، اصطدمت البرجوازية التجارية الحاكمة في رحلتها الاستثمارية بإفريقيا بالشروط الاستثمارية الجديدة للاتحاد الإفريقي، راجع إلى المغرب خفي حنين، من أجل تشكيل المكتب البرلماني الجديد برئاسة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وانعقاد أول اجتماع له في ظل ما يسمى حكومة تسيير الأعمال، من أجل مناقشة نقطة واحدة : المصادقة على القانون الأساسي للاتحاد الإفريقي، من أجل الالتحاق بهده المنظمة القارية الأساسية في تسوية وتدبير الشؤون الأفريقية السياسية والاقتصادية ومن بينها وضعية قضية الصحراء الغربية، فأصبح المغرب عضوا بالاتحاد جنبا إلى جنب مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي يعترف بها الاتحاد، باعتبارها عضوا مؤسسا له، إنه الأمر الواقع الذي تمليه المصلحة الاقتصادية للتحالف الطبقي الحاكم بالمغرب والمتحكم في السياسة والاقتصاد.
وبعد تنصيب حكومة العثماني في أبريل 2017 تم قمع الحراك الشعبي بالحسيمة : سقوط شهداء، اعتقالات في صفوف الشباب ومحاكماتهم، وتمت محاصرة المنطقة في شبه حالة استثناء نتجت عنه ظاهرة الهجرة السرية والمنفى هروبا من جحيم غليان بركان ثورة الريف، الذي لطالما ينتفض من حين لآخر، وبذلك تم تركيز التناقضات الأساسية بين الريف الثوري والنظام الملكي الدموي، الذي فشل في مشروعه التصالحي مع الريف، وحظر الرئيس الفرنسي ماكرون في حينه إلى الرباط من أجل دعم القمع الدموي وتوقيف حراك الحسيمة، ومن خلاله دعم البرجوازية التجارية الحاكمة لحماية المشروع الاستعماري الفرنسي بالمغرب، فصدرت أحكام قاسية تذكرنا بأحكام الستينات والسبعينان من القرن 20 في حق اليسار الثوري والحركة الماركسية اللينينية في استمرارية ملموسة للطبيعة الدموية للنظام الملكي بالمغرب.
هكذا يعيد التاريخ نفسه بشكل مأساوي بين مغرب ثورة الريف وثورة الجنوب وتناقضاتهما مع النظام الملكي الدموي، الذي يتحكم في الوضع السياسي بالحديد والنار وقوة الاستعمال الأيديولوجي للدين خاصة بعد انتفاضة 20 فبراير 2011، التي فسحت المجال للتيارات السياسية الأصولية للوصول إلى الحكومة، وتركيزها سندا لتمرير السياسات الاقتصادية الطبقية الجديدة في ظل الاستراتيجية الامبريالية الجديدة، التي ركزت التناقضات بين الاتجاهات السياسية الأصولية بالخليج العربي وشمال إفريقيا وامتداداتها بالغربي الإفريقي، مما أعطى الثورة بالغرب الإفريقي بعدا جديدا وأعطى للصراع بالصحراء الغربية أهمية قصوى في تحديد المسار الثوري بالغرب الإفريقي، في علاقته بالحروب اللصوصية بالخليج الغربي وشمال إفريقيا، عبر دول الساحل التي تعتبر فيها النيجر مركزا أساسيا للإمبريالية الأمريكية والفرنسية.
كل الاحتمالات تمليها المصلحة العليا للبرجوازية التجارية التي تسعى لتحسين وضعيتها في منظومة الرأسمال المالي الإمبريالي باعتبارها خادمة له، فهي لا تتواني في تغيير مواقفها السياسية بشكل مفاجئ في القضايا الحاسمة في مصير الشعب المغربي كما رأينا في الالتحاق بالاتحاد الإفريقي، كما لن تتوانى في استعمال شتى أشكال القمع أمام أي رفض لسياساتها الطبقية التي تنهجها خدمة للسياسات الإمبريالية الاستعمارية الجديدة كما رأينا في قمع حراك الريف، ذلك ما جسد سرعة تغيير موقفها من الاتحاد الإفريقي والجلوس جنبا إلى جنب مع قادة الجمهورية الصحراوية بالعديد من المنتديات، في نفس الوقت الذي مازالت فيه تصرف أكاذيبها على الشعب المغربي بنشر الأسطوانة المشروخة حول انتصاراتها الموهومة بخصوص "الوحدة الترابية".
ومن أجل استمرار صعود أرباح شركاتها في البورصات تقوم بالمزيد من التنازلات أمام المنتظم الدولي الإمبريالي الذي يعتبر فيه الاتحاد الإفريقي أهم منتدياته، الذي بدونه لا يمكن لقضية الصحراء الغربية أن تجد طريقها إلى الحل المستعصي طيلة زهاء 30 سنة مضت من السلام المزعوم، قدمت فيه أقصى تنازلات مالية واقتصادية للشركات الإمبريالية الأوروبية خاصة في تصدير الفوسفات والصيد البحري على حساب تفقير الشعبين المغربي والصحراوي.
ويعيش النظام الملكي الدموي بالمغرب خلال الآونة الأخيرة تناقضات داخلية لا مثيل لها طيلة ستة عقود الماضية نتيجة غطرسته وتوغله في تجاهل تام لمطالب الشعبين المغربي والصحراوي في العيش الكريم، فكان لتشبثه بالأساليب القديمة في تناول الحقوق الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية وبلورتها وفق ما تمليه عليه البنوك والشركات الإمبريالية، أثر كبير في تعميق تناقضاته مع الشعب المغربي الذي يعرف تطورا هائلا على مستوى النمو الديمغرافي في علاقته بتطور وسائل الإنتاج المادية والثقافية، التي جعلت القوى المنتجة في تطور هائل يستوجب تغيير علاقات الإنتاج البائدة التي تتشبث بها البرجوازية التجارية، التي لم تستطع الخروج من نفق ممارسات ما قبل ـ الرأسمالية، مما عرقل تطور الرأسمال المالي المحلي الذي بقي رهينا بالعلاقات الاقتصادية البرجوازية التجارية، نتيجة عجزها عن تخطي عقدة الصناعة والرأسمال الصناعي الأساسي في تطور الرأسمال المالي، فأصبح دورها في عملية الرأسمال المالي يقتصر على جمع الأرباح عن طريق ممارسة التجارة في خيرات البلاد، مما عرقل نشأة الرأسمال الصناعي المحلي وبالتالي نشوء البرجوازية المحلية، أما البرجوازية الوطنية فهي بعيدة في ظل سيادة الثقافة ما قبل ـ الرأسمالية في تسيير وتدبير الاقتصاد الوطني، الذي لا ترى فيه إلا سببا من أسباب الاغتناء الفاحش في أوساط الزمرة الحاكمة ونشر التفقير في أوساط جماهير العمال والفلاحين المنتجين الحقيقيين للثروة.
ويعيش النظام الملكي الدموي اليوم أفظع أزماته الحادة التي لا يمكن أن يخرج منها نظرا لتخلفه عن التطور الذي تعرفه دول إفريقية ناشئة : روندا، إتيوبيا وحتى موريتانيا التي كان يعتبرها قبل نصف قرن مقاطعة له، التي عرفت كيف تسل شوكتها بدون دماء من الحرب في الصحراء الغربية في وقت مبكر، بعد إدراكها أنها متورطة في حرب خاسرة ستكلفها غاليا على المستوى الاقتصادي والتنموي نتيجة الفقر المنتشر في بلد شاسع جغرافيا وغني بالثروات الطبيعية : الطاقة والمعادن، ومتخلف اجتماعيا نظرا لسيادة ثقافة بقايا العبودية، مما جعلها غير مؤهلة لتنفيذ المخططات الاستعمارية للإمبريالية خاصة الفرنسية، التي ترى فيها امتدادا لسياساتها الاستعمارية بالغرب الإفريقي، الذي تشكل فيه الحرب بالصحراء الغربية أداة لقمع الحركة الثورة بالمنطقة، كامتداد طبيعي لقمع ثورة الجنوب التي قادها أحمد الهيبة ضد الاستعمار الفرنسي ـ الاسباني بالمنطقة، التي تعتبر فيها ثورة الشباب الصحراوي بقيادة جبهة البوليزاريو أحد تجلياتها خاصة بعد إعلان تأسيس الجمهورية الديمقراطية وحمل السلاح من أجل ذلك، مما عرقل مخططات الإمبريالية الفرنسية بالمنطقة وخلق متاعب سياسية واقتصادية للنظام الملكي الدموي، مما أغرق المغرب في وحل الصراعات السياسية الإمبريالية بشكل مباشر بعد إشعال الحرب بالصحراء الغربية.
وأصبحت قضية الصحراء الغربية أحد التناقضات الأساسية في تطور الوضع السياسي والاقتصادي بالمغرب في علاقته بالثورة بالغرب الإفريقي، في التناقض بين السياسات الإمبريالية الاستعمارية الفرنسية والثورة المغربية التي مازالت تبحث لها عن منفد من أجل الخروج من حال الاستعمار الجديد، فكان تاريخ المغرب الحديث عبارة عن صراعات طبقية سياسية ضد الاستعمار الفرنسي الذي وضع يد على جميع ثروات البلاد، التي تستلزم إنشاء نظام بوليسي دموي ينفذ مخططات الإمبريالية الفرنسية بالغرب الإفريقي والمستعمرات الفرنسية بإفريقيا عامة، مما جعل من قضية الصحراء الغربية أداة لعرقلة أي تنمية ديمقراطية بالمغرب والغرب الإفريقي، وشكل من الريف ممرا آمنا لجميع السياسات الاستعمارية، خاصة بعد سحق الجمهورية الوطنية الديمقراطية الشعبية بالريف في مهدها، وحول منطقة الريف إلى بؤرة للتوتر وورقة ضغط من طرف الإمبريالية الفرنسية على النظام الملكي حتى يبقى على صفته الدموية، ويبقى الريف مرتعا آمنا للمافيا العالمية لتهريب المخدرات وتبقى جماهير الفلاحين بالريف خادمة له.
ورغم الشعارات الكاذبة التي لطالما رفعها النظام الملكي الدموي بالمغرب منذ ما سمي زورا ب"حكومة التناوب الديمقراطي" التي ترأسها اليوسفي قبل وفاة الملك القديم وحلول الملك الجديد محله : الهدف الأساسي لهذه الحكومة، فإن صفته الدموية قد غيرت فقط جلدتها بأبشع ما يمكن تصوره وهو امتصاص دماء جماهير العمال والفلاحين على جميع المستويات الاقتصادية :
ـ بيع المؤسسات الوطنية الصناعية، الفلاحية والمالية التي تم بناؤها بدم وعرق الشعب المغربي.
ـ بيع المناجم والمعادن واستمرار استغلال الفوسفاط من طرف الاستعمار الفرنسي.
ـ بيع ثروات الصيد البحري بأبخس الأسعار بما فيها سواحل الصحراء الغربية.
ـ السيطرة على الأراضي الفلاحية والثروات الغابوية التي تقدر ب20 مليون هكتار ومصادر المياه.
ـ ترويج المخدرات عالميا والتي تقدر أرباحها بربع الناتج الوطني الخام الذي يقدر ب100 مليار دولار.
ـ فتح أبواب الاستثمارات/الاستغلال أمام الشركات الإمبريالية المسيطرة على جميع القطاعات المالية، الصناعية، الفلاحية والخدماتية دون قيد ولا شرط.
ـ استغلال قوة عمل العمال والفلاحين من أجل تراكم الأموال في جيوب البرجوازية التجارية وتنمية الرأسمال المالي التجاري في خدمة الرأسمال المالي الإمبريالي.
وتم تركيز أبشع أشكال الاستعمار الجديد بالمغرب وتوظيف البرجوازية التجارية بالدولة والحكومة للتوقيع على بياض لاستغلال ثروات البلاد، مقابل منحها هامش من الربح ومزيدا من السلطة لسرقة المال العام وإغراق الشعب المغربي في مستنقع الديون، وتحول النظام الملكي الدموي إلى أداة لتهريب أموال البلدان الإفريقية المستعمرة من طرف فرنسا عبر بنوك البرجوازية التجارية بالمغرب بتواطؤ مع دكتاتوريات الإقطاعيات بهذه البلدان الإفريقية، فلا غرابة أن نجد الفنادق المصنفة بالدار البيضاء مليئة بعائلة حكام إفريقيا بينما الشوارع والأحياء الشعبية مليئة بالمتسولين من أبناء فقرائها، هذه الصفة الدموية تطورت خلال 10 سنوات الأخيرة بتطور أساليب الاستغلال السياسي والاقتصادي، التي ترتكز على عملية الانتخابات الشكلية عبر التنافس بين مجموعة من الأحزاب البرجوازية الصغيرة اليمينية واليسارية، التي يتم استعمالها لإضفاء الشرعية على نهب المال العام، عبر التحكم في ميزانية الدولة عبر الحكومة والبرلمان، التي تعتبر أداة للإرشاء ووسيلة لخلق نخب برجوازية تجارية صغيرة صاعدة من نخب هذه الأحزاب، على غرار الاستثمار الصغير عبر الشركات الصغيرة في المنظومة الرأسمالية التي يحتاجها الرأسمال المالي المحلي في تنمية أرباحه في علاقته بتنمية الرأسمال المالي الإمبريالي، مما أوقع البلاد في فوضى سياسية واقتصادية عارمة انتشر فيها الفساد الإداري والمالي بجميع مؤسسات الدولة والحكومة معا حد الإفلاس التام، مما أجج مظاهر الاحتجاجات بالمدن والبوادي بعد إفلاس جميع المؤسسات الاجتماعية خاصة منها على مستوى القطاع العام : التعليم، الصحة والشعل، وقطاع الخدمات : الكهرباء، الماء الصالح للشرب والنقل، الشيء الذي أرغمه منذ قمع احتجاجات الريف في 2017 وحضور الرئيس الفرنسي بعينه ليقف على أحوال مقاطعته الاستعمارية بالمغرب، ويرفع تقريره إلى الدوائر الإمبريالية عن حالة الثورة بالمغرب في علاقتها بنهب الثروة وأفق الثورة بالغرب الإفريقي، مما تطلب إجراء افتحاص دقيق للوضع المالي والاقتصادي بالمغرب وضبطه حتى لا ينفلت من بين أيدي البرجوازية التجارية الحاكمة : تصريحات جطو الأخيرة.

النضال الديمقراطي الثوري في مواجهة أساليب القمع الجديدة

كان لانتخاب ترامب كواحد من كبار الاحتكاريين الاقتصاديين العالميين رئيسا لأكبر دولة احتكارية : الإمبريالية الأمريكية، وانتخاب ماكرون سهر وخادم عائلة روتشيلد الصهيونية : أكبر عائلة احتكارية تملك نصف العالم، عبر استثمارات بنوكها وشركاتها الاحتكارية الاقتصادية العالمية، رئيسا لأكبر دولة استعمارية بإفريقيا : الإمبريالية الفرنسة، أثر كبير في الاندماج المباشر بين اتحاد الاحتكاريين الاقتصاديين العالمين واتحاد الاحتكاريين السياسيين العالميين على مستوى القارتين الأمريكية والأوربية، مما فتح المجال لتنمية الرأسمال المالي الإمبريالي المدعومة من طرف سلطة الدولة الاحتكارية بالقارتين، مما وضع الغرب الإفريقي تحت مراقبة الإمبريالية باعتباره مجالا حيويا لتمرير سياساتها الاستعمارية وفق استراتيجيتها الجديدة ، ووضع النظام الملكي الدموي في مأزق الرضوخ لإملاءات الإمبريالية الفرنسية خوفا من غضب ترامب، الذي لا يرى في الدول التابعة إلا مصدرا للإتاوات المباشرة وغير المباشرة عبر صفقات تجارة الأسلحة كما هو الشأن بالنسبة لدول الخليج العربي.
في ظل الوضع السياسي العالمي الجديد انخرطت البرجوازية التجارية بالمغرب في المشاريع السياسية، الاقتصادية والعسكرية للإمبريالية الفرنسية بالغرب الإفريقي بهدف تنمية وحماية رساميلها، بعد عملية إدماج الرأسمال المالي المحلي في الرأسمال المالي الإمبريالي وتبعيته المباشرة إلى الرأسمال المالي الإمبريالي الفرنسي، في محاولة منها للبحث عن دعم مشروعها السياسي حول ما يسمى الجهوية الموسعة والحكم الذاتي بالصحراء الغربية، للخروج من نفق المفاوضات الفاشلة مع الجبهة، مما جعلها تنصرف عن مصالح الشعب المغربي التي لطالما وعدت بصيانتها خلال المناسبات الانتخابية فيما يسمى تنزيل الدستور الجديد الممنوح، مما ساهم بشكل كبير في تركيز الفوارق الطبقية بشكل مهول واغتناء الطبقات الحاكمة والنخب التابعة لها : أقلية تقدر ب70 عائلة تسيطر على 90% من عائدات الاقتصاد الوطني وعلى خيرات البلاد خاصة المعادن الثمين بينما التفقير يضرب في أعماقه الغالبية العظمى من العمال والفلاحين : المنتجون الحقيقيون للثروة.
وساهم في تركيز الوضع السياسي الجديد فشل حركة 20 فبراير في تحقيق جزء ضئيل من أهدافها نتيجة تهافت قياداتها الانتهازية اليسارية وتنسيقها مع الإصلاحية الظلامية التي رأت في حكومة حزب العدالة والتنمية انتصارا مرحليا لأهدافها، مما ساهم في تأجيج الصراعات الطبقية بعد خمس سنوات من الشعارات المزيفة لهذه الحكومة، كاستمرار طبيعي للشعارات المرفوعة خلال 20 سنة الماضية، وتأجيج الصراع بالصحراء الغربية إلى حد التلويح برفع السلاح من جديد من طرف القيادة الجديدة للجبهة، مما يؤكد ترشيح الغرب الإفريقي لاحتمال اندلاع حروب لصوصية جديدة انطلاقا من الصحراء الغربية التي من المحتمل أن يتم فيها توظيف النعرات الإثنية، خاصة بعد تصريح ترامب حول "أولوية الأمازيغية على قضية الصحراء الغربية"، في علاقتها بالصراع بمالي بين الطوارق والحكومة التابعة للإمبريالية الفرنسية.
وفي ظل الوضع السياسي العالمي الجديد كل الاحتمالات واردة خاصة بعد شروع أمريكا في تنفيذ استراتيجيتها الإمبريالية الجديدة المرتكزة على نشر الحروب اللصوصية عبر العالم، من أجل ترويج وسيطرة سلعها العسكرية بالسوق التجارية العالمية، دون أن تكون مشاركا مباشرا في هذه الحروب عكس ما كانت عليه في الحرب على الشعب العراقي، الشيء المؤكد في تنازلها عن جزء من مهامها العسكرية الاستعمارية بالخليج العربي لروسيا في الحرب على الشعب السوري، باعتبار روسيا إمبريالية صاعدة في حاجة لتسويق سلعها العسكرية بعد نجاحها في السيطرة على تجارة الصناعة النووية بإيران، بتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي يعتبر الحليف الاقتصادي الأول لأمريكا خاصة في مجال التصنيع العسكري وتجارة الأسلحة على الصعيد العالمي.
وهكذا تم تحديد الإمبريالية الأمريكية للمواقع الجيوـ سياسية الاستراتيجية المستقبلية لتنفيذ سياساتها الاستعمارية الجديدة بعد تحقيق جل أهدافها السياسية والعسكرية بمنطقة الخليج العربي وشمال إفريقيا، وإشعال نيران الحروب اللصوصية بها والمرتكزة على الطائفية الدينية بين السنة والشيعة، وتركيز التناقضات الداخلية بكلتي الطائفتين بقيادة إيران والسعودية وامتداداتهما بالمنطقة العربية، شمال إفريقيا والغرب الإفريقي، وضمان السيطرة في السوق التجارية بترويج الأسلحة بالمنطقة العربية عبر صفقات القرن مع النظام الرجعي بالسعودية ب460 مليار دولار ومئات الملايير من الدولارات مع باقي الأنظمة الرجعية بالخليج العربي تمتد على المدى القريب والمتوسط،، وتركيز مكانة النظام الرجعي التركي ذل حلف الناتو في التوازن في الحرب الرجعية على الشعب السوري العربي والكردي، من أجل قيادة استمرار الحرب من أجل اشتغلال ثروات البلاد : الطاقة والمعادن.
وانصرفت أمريكا إلى الصراعات الاقتصادية المركزية بالأسواق التجارية العالمية خاصة في صراعها مع الصين، التي عرفت تجارتها انتشارا عالميا كاسحا عبر مشاريعها الاقتصادية بالأسواق الإفريقية، التي ترى فيها أمريكا مجالا حيويا لترويج أسلحتها، بتنسيق مع حليفها الاستراتيجي الكيان الصهيوني، تنفيذا لمخططاتهما العسكرية لإشعال الحروب اللصوصية المقبلة بالقارة الإفريقية عبر شريط دول الساحل والمستعمرات الفرنسية القديمة الغنية بالطاقة والمعادن الثمينة، بتحالف مع فرنسا التي فشلت في القضاء على الحركات الثورية والديمقراطية التي تناهض سياساتها الاستعمارية بإفريقيا خاصة بالغرب الإفريقي : ثوار أزواد بمالي نموذجا، مما جعل تحالفها مع أمريكا، بعد تأسيس جيش أفريكوم الذي يوجد مقره بباريس، أمرا ملحا تم تتويجه بتأسيس قاعدة عسكرية لهذا الجيش إلى جانب القاعدة العسكرية الفرنسية بالنيجر، من أجل مراقبة الحركات الثورية بدول الساحل والغرب الإفريقي ووضع استراتيجية تغذية الحروب اللصوصية المقبلة.
وتشكل قضية الصحراء الغربية في هذا الصراع محورا أساسيا خاصة بعد الاحتكاكات العسكرية الأخيرة بين الطرفين المتصارعين، وتدخل الأمم المتحدة في أكثر من مرة والتلويح بحمل السلاح من طرف الجبهة، وصدور قرار مجلس الأمن رقم 2468 الذي دعا إلى "المفاوضات بين الطرفين دون شرط مسبق وبحسن نية"، ومن المنتظر أن تنتهي عهدة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء بالصحراء الغربية في 31 أكتوبر 2019 دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر لتسوية القضية.
وتعيش الصحراء الغربية على إيقاع الحروب المرتقبة في كل لحظة عندما ترى الإمبريالية مصلحتها في إشعالها بالغرب الإفريقي، مما دفع بالنظام الملكي الدموي إلى تشديد الخناق على كل الحركات الاحتجاجية خاصة بالصحراء الغربية، وأكبر المؤشرات على الاستعدادات لتلك المرحلة هي فرض التجنيد الإجباري على الشباب ما بين 19 و25 سنة باستثناء العاملين والطلبة، وذلك من أجل تكوين الجيش الاحتياطي للحروب المقبلة بإفريقيا عامة التي التزم بخدمها في صفوف الحروب الإمبريالية الفرنسية ضد الثورات الشعبية بالغرب الإفريقي، ويعتبر المغرب ضمن البلدان المهددة بالحروب الإثنية والدينية خاصة وأن الكيان الصهيوني بنى أرضية لذلك في قواعد الحركة الثقافية الأمازيغية مستغلا مواجهاتها الدموية مع حركة الطلبة الصحراويين بالجامعات.
ويعتبر اغتيال الشهيد إبراهيم صيكا ضمن الحروب الاستخباراتية ضد العناصر الثورية : الأمميين، الرافضين لتوظيف قضية الصحراء الغربية في الولاءات للدوائر الإمبريالية والصهيونية، وناضل الشهيد، خلال فترة الحياة الجامعية وبعدها في صفوف المعطلين الصحراويين من أجل مناهضة المفهوم القومي ـ الشوفيني لقضية الصحراء الغربية من كلي الجانبين الصحراوي والأمازيغي، كما واجه الموقف الفاشي للنظام الملكي الدموي لهذه القضية التي تم توظيفها من طرف الإمبريالية لعرقلة الحركة الثورية بالمغرب والغرب الإفريقي.
وكان مفهومه الواضح والصريح في مسألة النضال الديمقراطي الثوري الذي حدد له شعار "وحدة النضال ضد العدو المشترك" الذي نادى به في كل لقاءاته الجماهيرية سواء في منديات الأحزاب، النقابات والجمعيات الحقوقية أو بالحركات الجماهيرية للمعطلين الصحراويين بالشوارع، التي اتخذها جامعة شعبية ليس فقط لتنوير الفكر لدى المعطلين بل كذلك لتوجيه الجماهير الشعبية التي تعج بها هذه الشوارع المفتوحة، خاصة بعد احتجاجات حركة 20 فبراير التي تعلمت منها هذه الجماهير كيفية التعبير عن معاناتها ومطالبها التي قوبلت بالرفض والقمع حتى الاستشهاد من طرف النظام الملكي الدموي : من استشهاد الشهيد كمال الحساني بالحسيمة في أكتوبر 2011 إلى استشهاد الشهيد إبراهيم صيكا في أبريل 2016.
هكذا يعيد التاريخ نفسه بشكل مأساوي في العلاقة بين الشمال والجنوب، في العلاقة بين الحرب الوطنية الثورة بالجنوب وبالشمال، في العلاقة بين الاستعمار القديم بالشمال والجنوب، في علاقة القمع الدموي في حق الفلاحين حملة السلاح بالجنوب والشمال، في العلاقة بين قمع جماهير الفلاحين في "العهد الجديد" بالشمال والجنوب، في العلاقة بين قمع الشبيبة الثورية بالجنوب والشمال... مما يعطي انطباعا صريحا بأن الإمبريالية استطاعت غرس عملائها بالغرب الإفريقي في انتظار مهامهم الجديدة في ظل الاستراتيجية الإمبريالية الجديدة، التي ترى في هذه المنطقة المعروفة بسمتها الثورية عبر العصور، التي اتخذت أشكال كفاحية مع بروز قوى الفلاحين المسلحين خلال مراحلة الكفاح المسلح في القرن 20، بدءا بثورة أحمد الهيبة مرورا بثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي وما تلاها من مقاومة مسلحة في ثغور الجنوب الشرقي والأطلس المتوسط والصغير وصولا إلى الحرب الوطنية الثورية بالصحراء الغربية.
وأصبح الغرب الإفريقي مرشحا لمناورات الإمبريالية الفرنسية التي ترى فيه مصدرا أساسيا للطاقة والمعادن وتشكل فيها الصحراء الغربية مصدرا هاما لها لقربها من أوروبا واستغناء الإمبريالية الأمريكية عنها، بعد تحديد استراتيجيتها الاستعمارية الجديدة التي تسير في اتجاه الاستغناء عن استيراد البترول انسجاما مع مخططها حول استغلال الصخور النفطية وانسحابها من اتفاق باريس للمناخ، مما جعل فرنسا تضاعف جهودها للسيطرة على الاقتصاد المغربي وعبره على التحكم في مصير الصحراء الغربية بعد تنامي الحركات المناهض لسياساتها الاستعمارية بإفريقيا، مما يفسر دعمها لمشروع الحكم الذاتي بالصحراء الغربية الذي تصدت له جبهة البوليزاريو بقوة والتهديد بحمل السلاح من جديد في مواجهة استغلال الثروات بالصحراء الغربية : حجز باخرة فوسفاط بوكراع بجنوب إفريقيا، قضية اتفاقية الفلاحة والصيد البحري بين الاتحاد الأوربي والمغرب، تهريب المخدرات من طرف المافيا ... وأصبح ملف الصحراء الغربية في الواجهة بعد تنازل أمريكا عنه لصالح فرنسا في ظل التحالف بين الإمبرياليتين حول الحروب اللصوصية المقبلة بدول الساحل الإفريقي والغرب الإفريقي.
في ظل هذه الأوضاع المتسارعة بقيت الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية خارج الصراعات الطبقية المباشرة لها، نتيجة عجزها طيلة 50 سنة عن لم شملها وتأسيس الحزب الماركسي ـ اللينيني المغربي، فكلما تسارعت الأحداث الثورية بمنطقة الغرب الإفريقي، والمغرب طبعا جزء كبير من هذه المنطقة تاريخيا وجغرافيا بدون منازع خاصة في علاقته بالصحراء الغربية، نرى أن هذه الحركة الثورية عاجزة عن الوصول إلى الجماهير التي تقاوم وحدها بل تعمل جميع الأحزاب اليمينية والانتهازية والاصلاحية الظلامية على تشتيت شمل الحركة الاحتجاجية الجماهيرية كما هو الشأن في حركة 20 فبراير.
هذا الوضع الثوري المتعثر بالغرب الإفريقي أعطى نفسا كبيرا للنظام الملكي الدموي كي يتمادى في قمعه للحركات الاحتجاجية للعمال، الفلاحين، المعطلين والطلبة، مما شجع الإمبريالية الفرنسية على مضاعفة استغلالها للثروات المعدنية والفلاحية واستعبادها للطبقة العاملة بشكل رهيب خاصة في ظل حكم ماكرون، الذي بين بالوضوح مدى غطرسة الإمبريالية في حكمها على الشعوب ليس فقط المضطهدة إنما كذلك شعوب البلدان الإمبريالية وعلى رأسها فرنسا : قمع حركة السترات الصفراء.
ورغم انتشار الفكر الماركسي اللينيني في أوساط الشباب إلا أن هناك عوامل تعرقل تطوره من الديالكتيك الماركسي إلى البراكسيس : من النظرية الثورية إلى الممارسة العملية الثورية، مع العلم أن الأحداث الثورية القادمة ستكون هائلة وتفاجئ الماركسيين اللينينيين المغاربة وفي ظل الفراغ التنظيمي، ويستمر نفس التعاطي مع حركة الجماهير العفوية : وصفها بدل القدرة على الدفع بها من أجل التغيير، على غرار مقولة ماركس المأثورة التي تعيد نفسها بشكل مأساوي في أوساط الماركسيين اللينينيين المغاربة الذين يعرفون مضمونها التاريخي.
في ظل الوضع السياسي الجديد وخلال تاريخها النضالي الديمقراطي الثوري أعطت الحركة الثورية بالمغرب الحديث قوافل من الشهداء منذ استشهاد المهدي بن بركة مرورا باستشهاد عبد اللطيف زروال وسعيدة المنبهي وصولا إلى الجيل الجديد من الشهداء وعلى رأسهم : كمال الحساني وإبراهيم صيكا، هي تضحيات جسام لكن يلازمها فشل الأحياء من الثوريين خاصة في الحركة الماركسية ـ اللينينية التي تعرف يوما عن يوم صراعات هامشية تغذيها الانتهازية من أجل منع تطورها إلى الرقي التنظيمي : الحزب الماركسي اللينيني المغربي، الذي بدونه لا يمكن للحركة الاحتجاجية الجماهيرية أن ترتقي من العفوية إلى الحركة النضالية الديمقراطية الثورية المنظمة التي باستطاعتها القطع مع الأساليب التنظيمية القديمة ومواجهة القمع الأسود الجديد.