في العلاقة بين الحزب والحرب وانتصار الثورة الديمقراطية البروليتارية



وكانت الحرب الإمبريالية ما بين 1914 و1918 مناسبة هامة لإشعال الحرب بين البلاشفة والقيصرية من خلال مناهضة النواب البرلمانيين البلاشفة دخول روسيا الحرب الإمبريالية الأولى، والذين رفضوا التصويت لصالح الاعتمادات الحربية وقاموا بالدعاية ضد الحرب في أوساط الجماهير، مما دفع القيصرية إلى اعتقالهم ومحاكمتهم ونفيهم إلى سيبيريا في الوقت التي باركت فيه التحريفية الانتهازية خوض هذه الحرب الاستعمارية.(1) وامتدت مرحلة التهييء للثورة البولشيفية منذ تأسيس الحزب البولشيفي إلى حين انتصار البلاشفة على القيصرية والتحريفية الانتهازية في أكتوبر 1917، وكان للحزب البلشفي دور هام في إنجاح الثورة الديمقراطية البروليتارية، والذي أعطاه لينين أهمية قصوى، وذلك بتعزيز ما أسماه العمل في "المؤخرة"، بنشر العمل السياسي بين الجماهير الشعبية، حيث لم يقتصر فقط على إعطاء الأهمية للدعائية السياسية للحزب بل ساهم بشكل شخصي في الأنشطة السياسية عبر الخطب في اجتماعات العمال والجنود الحمر ونشر المقالات في الصحف، وكان لينين يؤكد على أهمية "المؤخرة المتماسكة"  و"التنظيم الانضباطي الواعي" باعتبارهما من أهم الشروط الأساسية لانتصار الثورة الديمقراطية البروليتارية. وللحفاظ على مكاسب الثورة الديمقراطية البروليتارية كان لينين يلح على الأهمية القصوى لتدقيق قوانين وتوجهات السلطة السوفييتية بقيادة البروليتاريا، والعمل على مكافحة المضاربين والمخربين والجواسيس الذين يعملون لصالح الجيش الأبيض في المؤخرة السوفييتية، كل ذلك من أجل مواجهة رأسمالية قوية.(2)
وقاد الحزب البولشيفي الحرب ضد اللصوص الملاكين العقاريين والرأسماليين عبر بناء الجيش الأحمر من العمال والفلاحين، وكانت مجابهة قيادة الضباط القدماء الذين يتعاطفون مع الملاكين العقاريين والرأسماليين مهمة صعبة تعرضت المهام الثورية بعد تسجيل الخيانات في صفوف هؤلاء الضباط القدماء. واعتبر لينين أن "نظام الطاعة" داخل الجيش الأحمر والذي اعتنقه العمال والفلاحون عن وعي هو السلاح الأساسي ضد أي مؤامرة تحاك ضد الثورة الديمقراطية البروليتارية. واستفاد لينين كثيرا من الحرب الأهلية وجعلها مناسبة تاريخية لتعزيز مكانة الحزب البولشيفي، حيث قررت اللجنة المركزية للحزب تمتين "الوحدة العسكرية بين الجمهوريات السوفييتية وبين الجمهورية الروسية الاتحادية"، من أجل ترسيخ بناء الوحدة داخل الحزب خدمة للحرب الدفاعية عن الثورة الاشتراكية والوطن الاشتراكي. وعمل لينين على المتابعة اليومية لأطوار الحرب الأهلية في "جميع الجبهات" وفي "المؤخرة" أي في أوساط الجماهير الشعبية، وكان ل"التربية على الخصال والأخلاق الشيوعية" لدى الجيش دور هام في الانتصار على الأعداء الطبقيين، والذي تم بفضل البناء الحزبي المتين الذي مكنه من قيادة "حرب الدفاع عن المجتمع الاشتراكي".
وخاض لينين صراعا مريرا ضد التحريفيين الانتهازيين حول كيفية الرد على الحرب، الذين يزعمون أن "الإضراب والثورة" هو الرد الصحيح، وعملوا على نشر زعمهم هذا في أوساط الطبقة العاملة. واعتبر لينين أن "الإضراب والثورة" أمر مستحيل في الحرب ضد الإمبريالية التي تستهدف إسقاط الثورة الاشتراكية، ذلك ما أثبتته نتائج الحرب الأهلية التي انتصرت فيها البلشفية، لكون التنظيم العادي للطبقة العاملة يعجز عن الرد الحاسم على الحرب المضادة للثورة التي تتطلب الدفاع عن الوطن الاشتراكي، واعتبر أن "التنظيم السري طويل الأمد ضد الحرب" ضروري لقيادة الثوريين لهذه الحرب والانتصار فيها.
وقد سبق للنواب البرلمانيين البولشيفيين أن قاوموا بالدعاية والتحريض ضد الحرب الإمبريالية الأولى وكان مصيرهم الاعتقال والمحاكمة والنفي، مما أكد عدم إمكانية مجابهة أعداء العمال والفلاحين ب"الإضراب والثورة" في الحرب الأهلية، الشيء الذي ركز مفهوم "الدفاع عن الوطن الاشتراكي" عبر بناء "القدرة الدفاعية" التي تطلبت سياسة "السلام الدولية" بالنضال ضد الحروب الإمبريالية. وهكذا قام لينين بإرسال وفد إلى مؤتمر لاهاي "للدفاع عن النضال ضد الحرب" عبر فضح الرأسماليين الذين يدعون أنهم ضد الحرب، مما فضح ادعاءات التحريفيين الانتهازيين حول السلام في ظل الإمبريالية.(3) إن الأحداث التاريخية التي تلت ثورة 1905 قد شكلت مقدمات إنجاز الثورة الثانية التي استولت فيها التحريفية الانتهازية على السلطة في فبراير 1917، مما أرغم لينين على النضال من أجل استرجاع السلطة بقيادة البروليتاريا في ظل دولة دكتاتورية البروليتارية في أكتوبر 1917، وحارب التحريفية الانتهازية والإمبريالية معا دفاعا عن الثورة الاشتراكية والوطن الاشتراكي في الحرب الأهلية. وقد أوضح لينين المهام الملحة من أجل حماية الثورة.(4)
هكذا بدأ الحزب البولشيفي تدخله بعد إنجاز مهمة الثورة الاشتراكية التي لا تعتبر إلا لحظة تاريخية حققها التحول الكمي في القوى المنتجة بروسيا التي أعطت التحول الكيفي الذي أعطى فجر المجتمع الاشتراكي، ولكن هذا الإنجاز العظيم ليس بالمهمة السهلة في ظل الحرب الإمبريالية الأولى التي يمكن أن تكون عائقا أساسيا أمام البناء الاشتراكي لو لا التنظيم الحزبي الصارم. والحرب كانت من بين عوائق نجاح الثورة الاشتراكية، حيث اضطر لينين من باب الدفاع عن الوطن الاشتراكي إلى أن يضع جميع القوى والموارد بالبلاد في خدمة هذا الغرض، كما عمل على استنفار جميع المنظمات الثورية في جميع بقاع البلاد من منظمات السكك الحديدية والسوفييتات والمواصلات لحماية جميع احتياطات الحبوب والمأكولات وجميع الأموال التي تتهدد بالسقوط في يد العدو، وتجنيد جمع العمال والفلاحين في كتائب وكذا الطبقة البورجوازية الصغيرة القادرة على العمل رجالا ونساء، كل هذا الاستنفار من أجل الدفاع عن الثورة الاشتراكية فكيف يمكن للحرب الإمبريالية أن تكون عونا لإنجاح الثورة الاشتراكية؟
بالإضافة إلى ذلك هناك مهمة القضاء على الأعداء الداخليين من البورجوازية المحلية بتحالف مع الانتهازية التحريفية التي سخرت أقلامها ضد سياسية الدفاع عن الوطن الاشتراكي والواقفة إلى جانب البورجوازية الألمانية والتي سعت إلى استغلال هجوم الإمبريالية من أجل الاستيلاء على السلطة، إنها حرب داخلية وخارجية تنبأ لينين لوقوعها منذ فشل الثورة الأولى في 1905 والتي تم التهييء لها منذ قرار تأسيس الحزب البولشفي في 1900.
واعتبر لينين فترة ما بين 1903 و1905 فترة إعداد الثورة وذلك عبر الحركة التي عرفتها التيارات السياسية الثلاثة الأساسية في روسيا، وهي التيار البورجوازي الليبرالي والتيار الديمقراطي البورجوازي الصغير والتيار البروليتاري الثوري من خلال تصادم آرائهم وبرامجهم في الواقع الموضوعي، هذه الحركة التي أعطت خلال سنوات 1905 و1907 النضال الإضرابي والاقتصادي الذي تحول إلى إضراب سياسي وبالتالي إلى انتفاضة شعبية، وقد تحول النضال العفوي للجماهير إلى الشكل السوفييتي للتنظيم الذي تقوده البروليتاريا، هذه الحركة التي أعطت نتاج نضال سنوات 1917 و1920.
وتحدث لينين عن سنوات الرجعية ما بين 1907 و1910 بعد فشل الثورة الأولى التي انتصرت فيها القيصرية وقضت على جميع الأحزاب الثورية والمعارضة، واعتبرها مرحلة الرجعية لأن الرجعية نمت في كل المجالات الفكرية والسياسية والنضالية.
واعتبر لينين سنوات ما بين 1910 و1914 سنوات النهوض خاصة بعد حوادث "لينا" التي أعطت شرارة الانطلاقة الثورية التي أسفرت عن الانتفاضة الشعبية في 1905ـ1907.
وأكد على أهمية الحرب الإمبريالية بين 1914 و1918 التي أشعلت الحرب بين البلاشفة والقيصرية، من خلال مناهضة النواب البلاشفة دخول روسيا الحرب الإمبريالية، والذين رفضوا التصويت لصالح الاعتمادات الحربية وقاموا بالدعاية ضد الحرب في صفوف الجماهير مما دفع القيصرية باعتقالهم ومحاكمتهم ونفيهم إلى سيبيريا.(5)
هكذا كان تقييم اللينينية لمرحلة التهييء للثورة البولشيفية منذ تأسيس الحزب البولشيفي إلى حين انتصار البلاشفة ووصولهم إلى السلطة بعد إسقاط القيصرية، ودور الحزب البلشفي في إنجاح الثورة الاشتراكية الذي يوليه لينين أهمية قصوى وذلك بتعزيز ما يسميه "المؤخرة" ببلورة العمل السياسي بين الجماهير الشعبية.
لقد شكل الاستعمار والحرب في الأطروحة اللينينية أمرين ملازمين للرأسمالية الإمبريالية واعتمد لينين في دراسته لعصر الإمبريالية على هذين العنصرين، من أجل تحديد ملامح تطور الرأسمالية خلال العقدين الأولين من القرن 20 والتي شكلت فيها سيطرة الرأسمال المالي على التجارة العالمية عنصرا أساسيا في الاقتصاد، وذلك انطلاقا من الدياليكتيك الماركسي الذي يحدد تطور المجتمعات البشرية انطلاق من العلاقة الجدلية في الصراع بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج  التي يشكل فيها الاقتصاد الأساس المادي للتطور.
واعبر لينين أن أساس الصراع بين الإمبرياليات ليس دبلوماسيا إنما أساسه التنافس الاقتصادي في الأسواق التجارية العالمية، الذي أفضى إلى الاحتكارات الكبرى واستعمار الدول الفقيرة، وبالتالي بروز الاحتكار الاقتصادي الذي يرتكز على تصدير الرساميل وتقسيم العمل عالميا وأن الحرب الإمبريالية ما هي إلا نتيجة هذا الصراع، وهكذا اكتشف أن الإمبريالية ما هي إلا أعلى مراحل تطور الرأسمالية التي لا يمكن لها أن تحقق هذا الكم الهائل من وسائل الإنتاج إلا باضطهاد الشعوب الفقيرة، لهذا أكد على أهمية الثورة الديمقراطية البروليتارية بقيادة الحزب البروليتاري الثوري.
ـــــــــــــــــــــ
(1)كتاب: ضد الجمود العقائدي والانعزالية في الحركة العمالية.
(2) نفس المرجع.
(3)"كتاب الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية.
(4) لينين، في الدفاع عن الوطن الاشتراكي ـ دار التقدم موسكو.
(5) نفس المرجع.


Aucun commentaire: