مقدمــــــــة كتاب في المعرفة والنقد العلمي المادي

من المعلوم أن جائحة "كورونا" غيرت مجرى الحياة في العالم، مما جعل الأوساط العلمية تتسابق نحو توقيفها، أو على الأقل الحد من تأثيرها الخطير على حياة سكان كوكبنا، وعمل اتحاد الاحتكاريين السياسيين والاقتصاديين على استغلالها للحد من انتفاضات الشعوب ضد سياساتهم الاستعمارية، لحصد مزيد من الربح على حساب استغلال قوة عمل البروليتاريا والفلاحين، مما عصف بأغلب صغار المستثمرين إلى صفوف الكادحين، وشرعن طرد العمال والسيطرة على أراضي الفلاحين، وتكبيل البرجوازية الصغيرة المثقفة، وكبح جماح الشعوب باسم سياسة الطوارئ، التي تم استغلالها لاسترجاع سيطرة الدول على الشعوب.والكثير مما يروج حولها تلفه شكوك، نظرا لكثرة الأكاذيب التي تروجها الدوائر الإمبريالية الأمريكية والصينية، من منطلق الصراع السياسي والاقتصادي بينهما، من أجل التحكم في الإنسان والطبيعة، وتقسيم العمل عالميا، بعد الجرائم التي ارتكبتها في حق كوكبنا، الأرض، بعد خنقها بشتى وسائل الدمار، إلى حد تحويل ومسخ المادة الحيوية، التي تشكلت منذ سبعة ملايير سنة، عبر التعديل الجيني، من أجل كسب الربح.
وعملت الدول الاحتكارية على التملص من مسؤولياتها في انتشار هذا الوباء في أوساط الشعوب، ساعية إلى الخروج من أزمة الرأسمال المحدقة، بالهروب إلى الأمام، وارتكاب جرائم عميقة في تاريخ الإنسانية، عبر انتهاكات جسيمة في حقوق الإنسان، من أجل إعادة هيكلة الرأسمال المالي الإمبريالي، في شروط تم فيها وضع الشعوب وراء قطبان الحجر الاجتماعي وسيران الطوارئ الصحية.
إن تسلسل تاريخ الأوبئة في هذا القرن قد وصل مستوى عال، من سارس مرورا بإيبولا وصولا إلى أعمقها قساوة كورونا وبناتها وحفيداتها، مما يؤكد الشكوك حول روايات الرأسماليين حولها، كأن الإنسان عبر تاريخه الطويل لم يتعايش مع الفيروسات والبكتيريا، في الوقت الذي أصبح فيه علم الأوبئة يتحكم في الجراتيم ومكوناتها الجينية ADN و ARN، التي تشكلت منذ ظهور المادة الحيوية، وتطورت خلال 7 ملايير سنة مضت، لكن علم الوراثة تم توجيهه لتدمير هذه المكونات الحيوية، عبر تعديلها وتهجينها مما تسبب في فقدان المناعة لدى إنسان عصر الإمبريالية.
فهل هي حرب جرثومية تجريبية على الإنسان؟ سؤال مشروع، نظرا للحرب البيولوجية الدائرة في حق الطبيعة، على النبات والحيوان، التي مست حياة المجتمع البشري، حتى بلغت الجائحة حدا غير متوقع في تخمينات الإمبرياليين، ومست القصور وقيادات الدول الاحتكارية.
إن التناقض بداخل الإمبريالية اليوم قد حدده لينين بدراسته لأعمال ماركس وإنجلز، وطوره بشكل مادي في الواقع الموضوعي، لكن الأيديولوجيين والسياسيين الانتهازيين حولوا مجرى تاريخ البشرية، بعد تدمير التجارب الاشتراكية العالمية التي أحدثت توازنا في العالم، عبر التناقض في ظل الوحدة والصراع بين القطبين، وأوهموا الشعوب بقيادة التناقض ضد أمريكا، وقدموا روسيا والصين نقيضا لها، وطبل لتلك الأكاذيب الأساتذة البرجوازيون والبرجوازيون الصغار من أجل تضليل الشعوب ليسهل اضطهادها.
من المعلوم أن الفكر الرأسمالي مدمر، ولا يمكن مواجهته إلا بالفكر الاشتراكي البناء، الذي يجعل الإنسان مركز أي تغيير في العالم، بهدف تحسين أوضاعه المادية والمعنوية، عبر استثمار مؤهلاته بتطوير المخ البشري، باعتباره مادة حيوية في شكلها الأعلى، العضو القادر على حل جميع الإشكاليات، ولا يمكن لأحد أن يشك في هذه المسألة التي يؤكدها العلم المادي، ويقر بوجود التناقض الذي يحكم المادة والحركة، وفي أرقى تعبيراته التناقض الموجود في المخ البشري، الذي أكده علم التشريح منذ نشأته، وقسم المخ البشري إلى جزأين متناقضين، يتحكم كل جزء في الجزء المعاكس له في الجسم البشري، وهنا يبدأ التناقض.
ويقر علم التشريح بوجود تناقض عميق في وظائف جزأي المخ، وتكاملهما بالتفاعل والتناقض بينهما، عبر التناوب على قيام الجزأين بوظائفهما وبشكل فعال، في أرقى أشكال الدقة، وفي أقل جزيء في المئة من الثانية، حسب طلب حل نوعية الإشكالية المطروحة عليهما، وبقدر ما أن عملية اشتغال المخ معقدة، بقدر ما يسهل التحكم فيها بشكل كبير من الدقة، عبر التدريب والتحكم في وظائفه، مما يتطلب تمتيع الإنسان بحق التربية والتعليم، الوسيلتين الأساسيتين لمعرفة دور المراكز العليا للمخ البشري والقدرة على ترويضها.
لقد عملت الشعوب الأسيوية على التحكم في وظائف المخ في مستوى معين، خاصة بالصين، عبر رياضة التنفس، الاسترخاء والتأمل فيما يسمى "اليوغا"، التي يمكن لأي شخص ممارستها، عبر رياضة التحكم في أعضاء الجسم، في شروط مادية ومعنوية أهمها صفاء الذات، عبر التدريب على إخلاء الذات مما يلحق الأداء بالآخرين، والسيطرة على الاتجاه المتناقض له، عبر نزع العدوانية من الذات البشرية، كما فعل ماركس، إنجلز، لينين وغيرهم من الفلاسفة والعلماء.
تخلى ماركس عن مصالحه الذاتية، وتعلق بالمضطهدين من الناس في العالم، وسافر بعيدا في الزمان والمكان، وتخلى عن الثقافة السائدة في المجتمع الرأسمالي، وترسباتها التاريخية، عبر تراكم كمها الهائل وتحوله إلى كيف نوعي، طبع إنسان هذا العصر، واعتقد أن إلحاق الأداء بالآخرين جزء من طباعه، يورثها الآباء للأجيال القادمة، وهي ذات منحى عدواني تخريبي، تجلت بالأساس في مميزات النظام الرأسمالي، عبر نشر سياسة الفردانية لاستغلال إنتاج العمل الجماعي التعاوني التضامني، حتى اعتقد أغلب الناس أن الرأسمالية قدر محتوم.
لقد أثبت علم الوراثة أن الطفل ينمو حاملا معه أشكال معية من صفات أجداده وطباعهم، يتم تركيزها في سلوكه عبر الممارسات العدوانية الوراثية في عائلته، جماعته ومجتمعه، التي تتحول إلى ثقافة سائدة، لا يمكن أن يتخلص منها، إلا عندما يكتمل لديه الوعي بوجودها، وخطورتها على حياته وحياة الآخرين، ذلك ما قام به ماركس وإنجلز، وشرعا في التفكير في تغيير العالم، وشكلت معرفة العلوم الطبيعية أحد أهم الوسائل التي قاما بدراستها، وتحويل قوانينها من الطبيعة إلى المجتمع، عبر تعميق المعرفة الذاتية في علاقتها بالمادة، الواقع الموضوعي، من خلال ما يلي:
ـ في علاقات الذات الداخلية للشخص بذاته، في التناقض في علاقاتها الداخلية كمادة، في علاقتها بتفكيره، وتوظيف الأحاسيس، في علاقاتها بالمراكز العليا المتحكمة في وظائف المخ البشري، من أبسطها إلى أعقدها.
ـ في علاقة الذات بالمادة، الواقع الموضوعي، في التناقض الذي يحكم علاقاتها بالطبيعة، المجتمع والمعرفة.
ـ من البسيط إلى المعقد في المعرفة بمكانيزمات المادة والحركة، في الأشكال ذات أبعاد المنحى:
ـ إلى ما لا نهاية في العالم الصغير Le monde infiniment petit ، عالم الذرة ومكوناتها وتفاعلها.
ـ إلى ما لا نهاية في العالم الكبير Le monde infiniment grand، عالم المجرات، الشموس، الكواكب والأقمار.
ـ في السفر بعيدا في الزمان الكوني، الذي يقاس بسرعة الضوء، في تفعيل أعلى مركز في المخ البشري، الذي يحتوي على النسخة الأصلية لنشأة عالم المادة الحيوية وتطورها التاريخي.
ـ في التراكم التاريخي الكمي في علاقته بتحولات تراكمه الكيفي، والتحكم في تعبيراته الوظيفية، التي تكونت عبر تاريخه الطويل، خلال 7 ملايين سنة مضت على نشأة الذكاء لدى الإنسان، بعد تشكل كوكبنا قبل 7 ملايير سنة من ذلك التاريخ، من تكوين الكون منذ 14 ملايير سنة.
هكذا يكون السفر بعيدا عبر الزمان الكوني، الذي يقاس بالسنوات الضوئية، والفكر البشري قادر على وصول هذه السرعة، بل قادر على تجاوزها، عبر تحريك التفكير بسرعة فائقة، ولا يصل جميع الناس إلى هذا المستوى دفعة واحدة، حيث التراكم الكمي الذي يعطي التحول الكيفي لا يتم دفعة واحدة، كل إنسان حسب مستوى معرفته، قدراته وإمكانية توظيفها، هم قلة قليلة من الفلاسفة، المفكرين والعلماء يستطيعون إدراك هذا المستوى، التقرب منه ما أمكن وملامسته، مما يضع أمامنا أولوية تطوير حياة الإنسان، في مواجهة جشع الرأسمال، كما فعل ماركس وإنجلز وبعدهما لينين.
ومن أجل مقاومة جائحة كورونا، لا بد لنا من المناعة القوية، عبر التغذية السليمة من السموم المنشرة في المواد الغذائية، التي تم تحويلها جينيا، بعد القضاء على نسخها الأصلية، التي تكونت عبر تراكم كمي أعطى تحولات كيفية، جعلها تقاوم الفيروسات، وتم تلويثها بالمواد الكيماوية المصنعة، ولكسب المناعة لا بد من تناول المواد البيئية الطبيعية، من أجل ذلك لا بد من إرجاع الفلاحين إلى الأرض، وتقليص تمركز الرأسمال في الزراعة، في أفق تحرير الأراضي من تلوث الرزاعات الرأسمالية.
ويتجه العالم اليوم نحو التحول، إما في اتجاه إسعاد البشرية وهو مستبعد في نظري، أو العكس وهو مرجح إلى حد كبير، نحن في مفترق الطرق بعد الأزمة التي ضربت الرأسمالية في العمق، نتيجة التراكم الهائل لوسائل الإنتاج وسريان الملكية الخاصة لهذه الوسائل، يشكل فيها المجال الرقمي ووسائل الاتصال، التي بلغت جيلها الخامس، أداة خطيرة على حياة البشرية، فإما أن تنهض الشعوب لتحويل العالم في اتجاه إسعاد البشرية، أو تعيش في ظلام الإمبريالية التي ستعصف، على الأقل، بثلث سكان العالم نحو الفناء.
يرتكز هذا الكتاب على مقولة لينين الشهيرة "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية"، التي لطالما يرددها العديد من الشباب، لكن دون استيعابها من طرف جلهم، نتيجة ضعف التكوين والتثقيف العلمي المادي لديهم، في علاقته بالممارسة العملية، كما يتضمن قراءة تحليلية لمجموعة من التجارب الثورية العالمية، على ضوء إعادة بناء مفهوم النقد العلمي المادي للتاريخ.


الحسين امال
 

Aucun commentaire: