من أجل إعادة بناء الطريق الثوري بالبلدان المضطهدة في عصر الإمبريالية

خلال نصف قرن من حياة الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية، مازالت الاختلافات الجوهرية بارزة بين تياراتها المتبنية للخط الثوري لمنظمة إلى الأمام : خط الشهيد عبد اللطيف زروال، الذي شكل استشهاده ضربة قوية فقدت المنظمة على إثرها أحد أبرز المنظرين الثوريين للثورة المغربية، مما حدا بمن بقي بالسجون من قياداتها بمحاولة إعادة بناء الخط الثوري، بعد بروز الخط التحريفي المتحكم في قيادتها داخل السجن، مما دفع هؤلاء المناضلين بالتشبث بمنطلقات الحركة الماركسية ـ اللينينية بانتفاضة 1968 بفرنسا : "الماوية"، التي رأوا فيها حصنا حصينا لتصوراتهم الثورية في ظل القمع الأسود للنظام الملكي الدموي، وتعبر الورقة التي صاغها بعض المناضلين بسجن غبيلة في 29/30 نونبر 1976 إحدى الوثائق المهمة في هذا المجال : "المرحلوية أو النيومنشفية ــ إشارات حول أحد المظاهر الأساسية للفكر اليميني في الحركة الماركسية ــ اللينينية المغربية (بالإضافة إلى ملحق حول التناقض الأساسي والتناقض الرئيسي)." 

قراءة في الورقة

واستهل أصحاب هذه الورقة بما سموه "طرح المسألة"، في محاولة لتقديم ما سموه مظهرا من المظاهر الأساسية للفكر اليميني في الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية، من خلال نقدهم لما سموه "مجموعة اليمين المستحوذة على قيادة منظمة 23 مارس"، متناولين مفهوم المعرفة كمعيارا لنقد مواقف هذه المجموعة حول الثورة بالمغرب، في علاقتها بقضية الصحراء الغربية، وحددوا الإطار المعرفي للورقة فيما سموه "أطروحة ماركس الثالثة حول فيورباخ التي طورها ماو في "في الممارسة"، مما يعني أنها تجاوزت أطروحات لينين حول المعرفة والديالكتيك الماركسي، وجعلت أطروحات ماو تسي تونغ أعلى مستوى للمعرفة الماركسية.
وتناولت الورقة ما سموه "النخبوية" و"المرحلوية"، اللتان يتسم بهها فكر تلك المجموعة المعنية بالنقد، التي لا تعترف ب"النخبوية" شكلا إلا أن "المرحلوية أكثر مكرا، في هذا. كما يظهر، فهذه المجموعة اليمينية تبقى مطابقة لما تتميز به الانتهازية، كما أكد عليها لينين، أي لا تظهر أبدا بوجها المكشوف" كما جاء في الورقة، وبالنسبة إليهم فهذه المجموعة انتهازية، واستشهدوا بقول لينين لتأكيد صحة صفتها الانتهازية "أي لا تظهر أبدا بوجهها المكشوف".
وفي سياق نقدهم ل"المرحلوية" تضيف الورقة أنه "يمكن أن توضح انطلاقا من مواقف متعددة لهذه المجموعة، وبالأخص، انطلاقا من ملاحظات باريسية حول الصحراء"، من مضمون الوثيقة التي أرسلتها قيادة منظمة 23 مارس بالخارج إلى سجن غبيلة، حسب إشارة الكاتب، تتجلى "المرحلوية" في تصورهم للثورة المغربية، التي يجب أن تتسم بالتبعية للأحزاب الاصلاحية حتى في قضية الصحراء، رغم أنها لم توضح هذا التصور، وتجلى ذلك في المنطلقات الأيديولوجية لهذه المجموعة التي تستند إلى "منظمة العمل الشيوعي بلبنان" و"الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين"، التي أدت إلى الإفلاس الأيديولوجي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ...
وخلصت الورقة إلى وجوب محاربة اليمين داخل الحركة الماركسية ـ اللينينية بلا هوادة، وذلك عبر التمسك ب: تعاليم لينين حول "القيادة البروليتاريا في الثورة الديمقراطية البرجوازية، وتعاليم ماو حول "القيادة البروليتاريا في الثورة الديمقراطية الشعبية"، وتعاليم الثورة الوطنية الديمقراطية الفييتنامية، دون أن توضح أسس هذه التعاليم، ولا كيف يمكن دمجها، والتناقضات بينها أو مستويات تكاملها.
ومن أجل وضع أسس تصورهم للثورة المغربية، يأتي الجزء الثاني لتناول ما سمته الورقة "بعض الأسس النظرية للمادية الجدلية : التناقض والحركة".
وتناولت الوثيقة مسألة الشيء، الجوهر والظواهر بشكل مبسط، في مستوى ابتدائي تعليمي للمفاهيم ودلالاتها الفلسفية، عبارة عن درس للمبتدئين في تعلم تعاليم الفلسفة الماركسية، من أجل إقناعنا أن المعلم الكبير في الديالكتيك هو ماو تسي تونغ، كما جاء في الورقة : من الديالكتيكي الأول الفيلسوف الإغريقي "هيراكليت"، مرورا بأطروحة دكتوره ماركس حول هذا الفيلسوف، وصولا إلى المعلم الكبير ماو، في إشارة عابرة لقولة لينين التي اعتمدها "المعلم الكبير ماو" في تطويره للديالكتيك "الجدلية هي دراسة التناقض في جوهر الأشياء نفسها"، وما تلا ذلك من تفسير وتوضيح لأصحاب هذه الورقة، كل ذلك من أجل تجاوز أعمال لينين الفلسفية حول تطوير الديالكتيك الماركسي على مستوى المعرفة، وبناء المفهوم الماركسي اللينيني للثورة، من طرف أصحاب هذه الورقة، والذين يتبنون هذا الطرح بعدهم اليوم، حتى يقصروا المسافات عن طريق الثورة المغربية، من أجل الانتصار المحتوم في شكل الثورة الديمقراطية الشعبية بقيادة البروليتاريا.
وفي عبث فكري حاولت الورقة تناول الظواهر في منظور العلوم الطبيعية، على شكل دروس ابتدائية للمتعلمين بالثانويات الاعدادية، في محاولة لفهمها فلسفيا، واستعارتها من أجل فهم الحركة الاجتماعية وتناقضاتها، بشكل فج لا يمت بصل بالديالكتيك الماركسي، الذي طوره لينين على مستوى المعرفة، من خلال نقده لعلماء العلوم الطبيعية، وخاصة منهم الفيزيائيين في كتابه المادية والمذهب النقدي التجريبي، وأمثلة كثيرة واردة في الورقة : "المد التأثيري بين الكهرباء والميغناطيس. جريان الماء في النهر إلى البحر، سيرورة تطور الأنواع، تطور الجنين الحيواني عند غاستون مايير ؟ تطور الإنسان عند ماركس في مقولة واحدة "التركيب العضوي للإنسان هو مفتاح التركيب العضوي للقرد"، مع تغييب دراسة داروين التي تتطلب العلم المادي كما تناولها لينين... إلخ.
كل هذه الأمثلة وغيرها تم سردها في محاولة منهم لفهمها فلسفيا ديالكتيكيا، بفهم تناقضاتها الداخلية والخارجية، واستعارتها من أجل فهم التناقضات في المجتمع، وبناء مفهوم الثورة بالمغرب، من أجل الإقرار بأن أطروحات ماو تسي تونغ التبسيطية هي أعلى مستوى في الديالكتيك.
إن تغييب أعمال لينين الفلسفية في هذه الورقة، لا يمكن اعتباره إلا تطفلا على الفلسفة المادية والديالكتيك الماركسي، واستهتارا بعلم نقل قوانين المادة من الطبيعة إلى المجتمع : الماركسية، وفي تغييبها، إلا في إشارة عابرة لقولة بسيطة في الجزء الأخير من كتابه "حول الديالكتيك"، وفقط في من طرف المترجم الذي أشار إلى مصدر هذا الجزء لإنقاذ ماء وجه أصحاب الورقة، دون الاستشهاد بمضامين أطروحة لينين العبقرية حول الديالكتيك، باعتبارها خلاصة لدراسته الفلسفية في كتابه "دفاتر فلسفية"، التي تناول فيها نقد المادية، انطلاقا من أعمال الفيلسوف الفينيقي المقيم بأثينا المادي زينون، مرورا بكانظ اللاعرفاني، وصولا إلى هيغل المادي المثالي، ليصيغ خلاصته التي سماها : "حول الديالكتيك"، وهي عبارة عن البناء العلمي المادي لمفهوم التناقض، في جميع مستويات تفاعلاته داخليا وخارجيا، في تكامل تام مع مفهوم النفي ونفي النفي، في سيرورة وصيرورة الصراع المادي للحركة، عبر تراكماته الكمية، وتحولاته الكيفية، تغييب هذه الخلاصة التي اعتمد فيها ماو تسي تونغ جزءا بسيطا منها لوضع كتابة "في التناقض"، الذي يمكن اعتباره كتابا تعليميا لدى المتعلمين المبتدئين في تعليم الديالكتيك الماركسي، واتخاذ أصحاب هذه الورقة أفكار ماو تسي تونغ البسيطة والتبسيطية، فيما يسمى "في التناقض" يطرح السؤال التالي :

هل ذلك ناتج عن محاولة تغييب الديالكتيك الماركسي عند لينين في صياغة طريق الثورة ؟ أم هو عجز عن استيعاب مستوى الفكر الفلسفي الديالكتيكي المادي لدى لينين ؟

إن التخبط الفكري الذي وقع فيه أصحاب هذه الورقة، إنما يدل عن عجزهم الفكري والنظري، وعدم القدرة عن الرد الحاسم على هجوم النظام الملكي الدموي على قيادة منظمة إلى الأمام، وما يهدد كيانها من فكر انتهازي، ليس فقط من طرف منظمة 23 مارس، بل كذلك من داخل المنظمة، خاصة بعد استشهاد الشهيد عيد اللطيف زروال، الذي أحدث شرخا واضحا في المنظمة، وفراغا نظريا بعد 14 نونبر 1974 تاريخ استشهاده، الذي أعطى للمنظمة خلال حياته، بعدا ثوريا أدق وأشمل سرعان ما بدأ يتراجع شيئا فشيئا بعد استشهاده، وهو المنظر الحقيقي للخط الثوري للمنظمة، وباعتراف أحد مؤسسي المنظمة، الذي اعتبر الشهيد زروال معلمه، في تقديمه لنقده الذاتي عن ممارساته البرجوازية، حيث أقر أنه ليس إلا بورجوازيا صغيرا، لم يستطع أن يتخلص من ممارساته البرجوازية، أمام الممارسة البروليتارية للشهيد زروال، وهو أبراهام السرفاتي الذي قاد مسلسلة التراجعات وبناء الخط التحريفي.
إن إصدار هذه الوثيقة، في شكلها ومضمونها، يوضح بالملموس العبث الفكري والعجز النظري لدى أصحابها، الذين حاولوا إيجاد طريق الثورة المغربية، من خلال نقد "الإطاروية" و"المرحلوية" في منظمة 23 مارس، دون القدرة على التخلص من "الإطاروية" و"الذاتوية"، اللتان أسقطتهم في انتقاء ما يمكن انتقاؤه في الفكر الماركسي، كما يشاؤون ويعتقدون دون الإلمام بأعمال لينين، فلم يجدوا إلا فكر ماو تسي تونغ البسيط، لاتخاذه لبناء نظريتهم الجديدة حول الثورة بالمغرب، رغم أنهم أشاروا إلى منظور لينين لكن بشكل مشوه، سنرجع إليه فيما بعد، وإلى منظور هو شي منه بشكل مشوه كذلك، سنرجع إليه فيما بعد، وتشبثوا بالتجربة الثورية الصينية، رغم سقوطها مع موت ماو تسي تونغ مباشرة قبل كتابة هذه الورقة.

عن المعرفة والديالكتيك الماركسي عند لينين

كما أشرنا سابقا، اختزل أصحاب هذه الورقة نظرية لينين حول الديالكتيك في جملة بسيطة أشار إليها ماو في كتابة "في التناقض"، منطلقين في التحليل الديالكتيكي للصراعات الطبقية بالمغرب في منتصف السبعينات من القرن 20، من أجل بناء الطريق الثوري للثورة المغربية، والإقرار بأن ماو تسي تونغ قد طور الديالكتيك الماركسي، دون أن يبينوا لنا أين تم ذلك، وبالرجوع إلى منظور لينين حول جوهر الديالكتيك، يتبن أنهم لم يطلعوا على ذلك العمل البالغ الدقة في تطوير المعرفة الماركسية، الذي يقول عنه :"إن ازدواج ما هو واحد ومعرفة جزأيه المتناقضين يشكلان جوهر الديالكتيك (أحد "جواهره"، إحدى خصائصه أو إحدى ميزاته الرئيسية، إن لم تكن خاصية الرئيسية).
وأراد أصحاب الورقة بذلك المنطلق البسيط لمفهوم الديالكتيك عند ماو تسي تونغ، تناول الصراعات الطبقية بمغرب السبعينات من القرن 20، ورسم طريق الثورة المغربية، مما أوقعهم في اللاعرفانية التي اختزلت تطور الديالكتيك الماركسي في كتاب "في التناقض"، محاولين تجاوز أعمال لينين حول الديالكتيك، بل أقروا أن أعمل ماو التبسيطية قد تجاوزت الديالكتيك الماركسي عند لينين، رغم أن ماو لم يقر بذلك يوما، بقدر ما قام بتفسير جزء بسيط من أعمال لينين القيمة، والبالغة في الدقة مستوى عالي من المعرفة الماركسية، أنظر كتابه "حول الديالكتيك" في كتاب: المادية ونقد المذهب النقدي التجريبي، وكتاب دفاتر فلسفية.
كان ماو منشغلا بالممارسة العملية في مستواها العالي، ألا وهي قيادة الحرب الوطنية الثورية، ولا يسعه الوقت لدراسة جميع أعمال لينين دراسة علمية نقدية، مثل ما قام به المعلم الكبير لينين على مستوى المعرفة 22 قرنا مضت قبل الثورة الروسية، واختزال المضمون المعرفي لدى لينين في كتابه "حول الديالكتيك"، وفي تلك الجملة، التي انطلق منها أصحاب هذه الورقة، إنما ينم عن جهلهم بالمعرفة الماركسية اللينينية، وذلك، بطبيعة الحال، يمكن تفهمه نظرا لعدم امكانية إلمامهم بأعمال لينين الكاملة على مستوى المعرفة، حيث الشروط الموضوعية داخل السجن، على ما يبدو، إن لم يكن افتقارهم للمراجع، دفعهم إلى الاكتفاء بكتاب "في التناقض" الذي اعتبروه مستوى عال من المعرفة الماركسية، مما دفعهم بالإقرار بوجوب بالثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية بالمغرب، على غرار الثورة الصينية، دون القدرة على دراسة أسسها الطبقية، ووضع تصور صحيح لبلورته عبر الصراعات الطبقية بالمغرب.
وكانت محاولتهم لبناء تصور ديالكتيكي، من منظور معرفي ماركسي، لعملية إنجاز الثورة المغربية، عبر نقل قوانين الحركة من الطبيعة إلى المجتمع، لا ترقى إلى الفهم الماركسي اللينيني للثورة، فلا يكفي الإقرار بأن الثورة الصينية حدث كبير، في بلد شبه مستعمر، واختزال المعرفة الماركسية اللينينية في أقوال ماو تسي تونغ، حتى نقول أننا وجدنا طريق الثورة المغربية، كما لا يمكن إسقاط تناقضات الثورة الصينية، بشكل فج، على عملية بناء الطريق الثوري للحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية.
فكما جاء في الورقة، بأن الثورة الصينية بدأت في 1911، ولم تنتصر جزءا إلا في 1949، حيث بدأت تناقضات جديدة أمام ماو تسي تونغ، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فإن اختزال الثورة الصينية في أعمال الحزب الشيوعي الصيني، ودوره في قيادة الثورة، لا يكفي لبناء تصور عام حول تناقضات الثورة الصينية.
كما أن تجاهل تناقضات الثورة المغربية، التي بدأت في 1912، من الجنوب في الحرب الوطنية الثورية ضد الإمبريالية وامتداداتها بالصحراء الغربية، والتجربة الثورية بالريف، وبناء الدولة الوطنية الديمقرطية الشعبية الأولى بشمال إفريقيا، باعتبارها أول تجربة عالمية، التي وضعت أسس الحروب الوطنية الثورة ضد الحروب الإمبريالية، باعتراف ماو تسي تونغ وهو شي منه بذلك، يعتبر "مرض "اليسارية" الطفولي في الشيوعية" كما سماه لينين.
كما أن تبني التجربة الثورية الصينية بشكل أعمى، دون فهم تناقضاتها، إنما ينم عن اللاعرفانية التي تختزل الطريق من أجل الوصول إلى الهدف، الذي لا يمكن أن يكون إلا انعكاسا للفكر المثالي الذاتي والسوليبسيسم في الممارسة العملية، التي تقود إلى الانتهازية والتحريفية.
إن غياب بعد النظر لدى أصحاب الورقة، قد قادهم إلى اختزال كل تناقضات الصراعات الطبقية بالمغرب، من أجل تقديم الثورة الصينية، في طبق من ذهب، على حساب تجاهل التراكم الكمي للثورات البروليتارية عبر العالم، وتمييعها في بعض الأحيان، كما جاء في الورقة، فيما سماه أصحابها : "تعاليم لينين حول القيادة البروليتارية في الثورة الديمقراطية البرجوازية"، دون الإشارة إلى أين يكمن ذلك.
لقد استطاع لينين توضيح العلاقة بين الثورة الديمقراطية البورجوازية والثورة الديمقراطية البروليتارية، بصورة فائقة، باعتباره سيطرة البروليتاريا على السلطة أساسي، في الانتقال السلس من الأولى إلى الثانية، وفي إنجاز المهام الثورية الرئيسية، وفي تجاوز المهام الثورية الثانوية، وفي القدرة على بلورة مفهوم الديمقراطية البروليتارية، الديمقراطية الثورية، الديمقراطية الاشتراكية، في ظل ديكتاتورية البروليتاريا، في دولتها، في اضطهادها للطبقة البورجوازية، المهمة الرئيسية للثورة البروليتارية الاشتراكية.
وأكد لينين على أهمية العلاقة الجدلية بين الثورة البورجوازية الديمقراطية والثورة البروليتارية الاشتراكية، على اعتبار أن مهام الأولى لا يمكن إنجازها كاملة، إلا في ظل الثانية، وأنه بدون ديمقراطية كاملة لا يمكن الحديث عن الديمقراطية البروليتارية.
وفي نص من الديالكتيك الماركسي أوضح لينين تصوره حول الاشتراكية والديمقراطية :"ليست الثورة الاشتراكية عملا واحدا، وليست معركة واحدة في جبهة واحدة، إنما هي مرحلة كاملة من النزاعات الطبقية الحادة، وسلسلة طويلة من المعارك في جميع الجبهات، أي في جميع مسائل الاقتصاد والسياسة، معارك لا تنتهي إلا بمصادرة ملكية البورجوازية. ومن فادح الخطأ الاعتقاد أن النضال في سبيل الديمقراطية يمكن أن يصرف البروليتاريا عن الثورة الاشتراكية أو أن يكسف هذه الثورة أو يحجبها، الخ... بل الأمر على العكس. فكما أنه يستحيل انتصار الاشتراكية إذا لم تحقق الديمقراطية الكاملة، كذلك لا تستطيع البروليتاريا أن تستعد للتغلب على البورجوازية إذا لم تشنه نضالا ثوريا شاملا دائما، صادقا، في سبيل الديمقراطية" كتاب مسائل السياسة القومية والأممية البروليتارية ـ الثورة الاشتراكية والنضال في سبيل الديمقراطية، ص : 160.
هكذا توصل لينين إلى صياغة كيفية مرور عملية الانتقال من الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى الثورة الديمقراطية البروليتارية، ولم يتحدث عن "القيادة البروليتارية في الثورة الديمقراطية البرجوازية" كما جاء في الورقة، إنما في تناوله للتناقض بين الثورة الديمقراطية البرجوازية والثورة الديمقراطية البروليتارية، من منظور الديالكتيك في علاقته بالبراكسيس، خلال الحرب الأهلية، التي باشر خلالها أهمية التحالف الحربي بين الببروليتاريا والفلاحين، وانتصارهم بقيادة البروليتاريا على الإمبريالية والانتهازية، دفاعا عن الوطن الاشتراكي، والشروع في البناء الاشتراكي، في ظل التحالف الاقتصادي بين البروليتاريا والفلاحين، بقيادة البروليتاريا بعد نهاية الحرب الأهلية، ليكون لينين بذلك قد استكمل منظوره الديالكتيكي الماركسي حول التناقض بين الثورة الديمقراطية البرجوازية والثورة الديمقراطية البروليتارية.
أما القول ب"القيادة البروليتاريا في الثورة الديمقراطية الشعبية"، كما جاء في الورقة، فإنه يحمل لبسا عميقا، مناقضا مع الفهم الديالكتيكي الماركسي للثورة الديمقراطية البروليتارية في تناقضها مع الثورة الديمقراطية البرجوازية، ذلك أن الصيغة الثالثة للثورة التي سماها ماو "الثورة الشعبية" دون أن يكون لهذه الصفة الثالثة : "الشعبية"، موقعا طبقيا في الصراعات الطبقية حول السلطة، كما هو الشأن بالنسبة للبروليتاريا والبرجوازية، المتناقضان المتصارعات حول السلطة في النظام الرأسمالي، فإن هذا المنظور الجديد الغريب عن الماركسية، والذي يسميه "الماويون" "الديمقراطية الجديدة"، دون أن تحمل هذه الصفة أي موقع طبقي في الصراعات الطبقية حول السلطة، إنما يأتي ضمن الخيار الثالث بين المادية والمثالية التي سماها إنجلس : اللاعرفانية.
أما القول ب"تعاليم الثورة الوطنية الديمقراطية الفيتنامية"، كما جاء في الورقة، فلا يختلف كثيرا عن التسمية الجديدة للثورة الصينية، ذلك أن الثروة الفيتنامية، كما هي في مثيلتها الصينية تمت بقيادة الحزب الشيوعي، الذي يمثل بالنسبة للحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية خاصة منظمة إلى الأمام، مشروعا غير منجز إلى حد الآن، فبدل الشروع في بناء الحزب الماركسي ـ اللينيني المغربي، من صلب الانخراط في الصراعات الطبقية، قام أصحاب الورقة بالتيه في عالم المعرفة، دون التسلح بما يكفي من الدراسة والتحليل للماركسية والماركسية اللينينية، والتجارب الثورية الوطنية والعالمية، مما يوضح محاولتهم الهروب إلى الأمام، بالشروع في تناول التناقضات الثانوية بين منظمة إلى الأمام ومنظمة 23 مارس، دون التسلح بما يكفي من المعرفة الماركسية اللينينية، مما جعلهم يخلطون ما هو أساسي وثانوي في الصراعات الطبقية.
هكذا حاول أصحاب هذه الورقة تحديد منطلقاتهم النظرية، لوضع تصورهم حول الثورة المغربية، انطلاقا من دراسة المادة والحركة، من خلال منطلقات تحديدات الفيزياء الحديثة : نظرية الكوانطا، لكن في اتجاه يرجع بالنظرية إلى الخلف، في تجاوز تعسفي لأعمال إنجلس ولينين في المجال العلمي المادي : الديالكتيك الماركسي، بالرجوع إلى أقوال هيغل المثالية، التي وردت في هذه الورقة.
كل ذلك من أجل الإقرار بأن ماو تسي تونغ قد طور المعرفة الماركسية إلى مستوى عال، لكن غير مدركين أن عملهم هذا يوقعهم في اللاعرفانية، حيث تجاوزهم لأعمال لينين في قولهم :"إن الأيديولوجية البرجوازية قد استنتجت بأن الكوانطا ظاهرة متقطعة ظاهريا، لا يمكن أن تفسر بالمادية. في الواقع هذا خطأ، فبصفة خاصة، قام أحد الفيزيائيين، ينتسب إلى الفكر المادي الجدلي (Jean Vigier)، بتوضيح أن الكوانطا تمثل في حقل طاقة ـ مادة نقط عقدية ذات تراكم طاقي مكثف." انتهى كلام الورقة، وتكريسا لرغبة أصحاب الورقة بتجاوز أعمال لينين في هذا المجال، أو ربما جهلهم بها، يستشهدون بأحد الشيوعيين "الماويين" بفرنسا 1968، الذي انسحب من الحزب الشيوعي الفرنسي، في محاولة لهم للتأكيد على أن ما يسامونه "ماوية" قد تجاوزت أعمال لينين الفلسفية، باستعارة أقوال هذا الأستاذ الفيزيائي لملء فراع نظرية "الماوية"، رغبة في تجاوز أعمال لينين "حول الديالكتيك" وأعمال إنجلس حول "ديالكتيك الطبيعة".
يقول لينين في نقده للأساتذة الفيزيائيين اللاعرفانيين :"... كل هذه أيضا نتائج لجهل الديالكتيك، كل ما لا يتغير، من وجهة نظر إنجلس، هو أمر واحد فقط، هو عكس الوعي البشري (عندما يكون الوعي البشري موجودا) للعالم الخارجي الموجود المتطور خارج وعينا، لا وجود في نظر ماركس وإنجلس لأي "ثابية" أخرى، أو لأي جوهر "مطلق" آخر بالمعنى الذي رسمت به الفلسفة الأستاذية هذه المفاهيم. فإن "كنه" الأشياء أو "الجواهر" هما أيضا نسبيان، وهما يعربان فقط عن تعميق المعرفة البشرية للمواضيع، ولئن كان هذا التعميق لم يمض أمس إلى أبعد من الذرة، واليوم أبعد من الإلكترون والأثير، فإن المادية الديالكتيكية تلح على الطابع المؤقت، النسبي، التقريبي لجميع هذه المراحل من معرفة الطبيعة من قبل العلم المتطور المتقدم لدى الإنسان. إن الإلكترون لا ينضب مثله مثل الذرة، والطبيعة لا متناهية، ولكنها توجد إلى ما لانهاية، إن هذا الاعتراف القاطع الوحيد، بوجودها خارج وعي الإنسان وأحاسيسه هو الذي يميز المادية الديالكتيكية عن اللاعرفانية النسبية وعن المثالية."
إن محاولة تبخيس أعمال لينين، من طرف أصحاب الورقة، وتقديم أعمال ماو البسيطة حول بلورة الديالكتيك من الطبيعة إلى المجتمع، إنما يندرج ضمن النزعة التحريفية في الشيوعية، في الربع الأخير من القرن 20، ذلك ما ساهم في تكبيل الحركة الماركسية ـ اللينينية بصفة عامة والمغربية بصفة خاصة، إن تمييع أعمال ماو، التي يؤطرها قوله بأنه يجب على الديالكتيك أن يكون في متاول الجماهير : الدفع بالديالكتيك ومحاولة ربطه بالثقافة الشعبية، وعدم فهم مدلول قول ماو في هذا الصدد، دفع بهؤلاء الأساتذة أصحاب هذه الورقة، إلى السير أبعد من ذلك، بالقول بتطوير المعرفة الماركسية إلى مستوى عال، بينما ما فعله ماو هو تبسيطها، وهو عمل جيد كذلك، حتى تفهمها الجماهير حسب مستوى ثقافتها الشعبية، وليس تطويرها فلسفيا، إنما صياغة أساليب بسيطة لنشر تعاليم الماركسية في صفوف الجماهير.
والقول بالديمقراطية الشعبية، ليس مفهوما جديدا للديمقراطية، إنما هو من صلب التحلي بأخلاق المناضل الثوري، الذي يجب عليه أن ينبذ النخبوية والتعالي على الجماهير، فالتناقض الأساسي بين الديمقراطية البروليتارية والديمقراطية البرجوازية، لا يمكن تعويضه بالديمقراطية الشعبية، والديمقراطية الشعبية أسلوب التعامل مع الجماهير وتحفيزهم للممارسة السياسية، وليست بديلا عن الديمقراطية البروليتارية، التي تعتبر أعلى أشكال الديمقراطية، والديمقراطية الشعبية لا تستند إلى أسس طبقية، بقدرة ما مصطلحا فضفاضا، إذا ما أردنا تحويلها من أسلوب التعامل الديمقراطي مع الجماهير إلى مفهوم طبقي نقيض الديمقراطية البرجوازية، التي تتناقض مع الديمقراطية البروليتارية.
وباعتقادهم أنهم اكتشفوا مفهوما جديدا، وهو غريب عن الماركسية، بإلصاق كلمة "الشعبية" بكل شيء : الثورة الشعبية، الديمقراطية الشعبية، الديكتاتورية الديمقراطية الشعبية ... إنما يندرج ذلك ضمن التحريفية والانتهازية، حتى أن هؤلاء الأساتذة تملكم الغرور، إلى حد القطع مع أعمال إنجلس ولينين العلمية والنقدية للمادية الميتافيزيقية لدى الأساتذة البرجوازيين، الذين حاولوا دحض المادية الديالكتيكية باستنتاجات المذهب النقدي التجريبي ذات المنحى اللاعرفاني والمثالي.
وانطلاقا من قولة Jean Vigier المشار إليها أعلاه، يحاول أصحاب الورقة صياغة مفهوم جديد لما يسمى في الماركسية ب"القفزة النوعية"، في قولهم :"إن كل لحظة من لحظات التاريخ، التي تتميز بتحول كيفي، هي النقطة التي تكون فيها السيرورة المتراكمة عميقا في المرحلة السابقة، قد وقع فيها الانفجار، إنها النقطة حيث تحل الضربة الأولى التناقضات المتراكمة. هذه النقطة المسمى نقطة عقدية ليست هدفا في حد ذاته ونقطة النهاية، حيث كل الماضي تمت تصفيته وتطهيره دفعة واحدة. إن مفهوما مثاليا مثل هذا، يقدم صورة متداولة كثيرا حول ثورة أكثوبر، ولا تسمح إذن بفهم التطور اللاحق للاتحاد السوفييتي."، انتهى كلام الورقة.
ونرى هنا كيف حاول أصحاب هذه الورقة، استعارة ما سماه استاذ الفيزياء الشيوعي "الماوي" ب"نقط عقدية ذات تراكم طاقي مكثف"، من الفيزياء إلى الثورة الاجتماعية، حتى يبرهنوا أنهم يطورون الديالكتيك الماركسي، من صلب ما يسمونه "الماوية" نقيض "اللينينية"، وحتى يؤكدوا برهانهم يعطون مثالا ب"ثورة أكتوبر"، التي في نظرهم تعتبرها اللينينية أنها متكاملة ؟؟ من أجل القول أن فهم اللينينية للثورة متجاوز بتلفيق تهمة اعتبار الثورة البلشفية متكاملة ونهائية، هنا تعبير عن تشويه اللينينية، التي عبر عنها لينين في قوله السابق حول "الثورة الاشتراكية"، وأن الثورة عبارة عن سيرورة لا تنتهي إلا ب"تحقق الديمقراطية الكاملة".
واعتبروا الفهم اللينيني للثورة فهما مثاليا، كما جاء في قولهم :"إن مفهوما مثاليا مثل هذا، يقدم صورة متداولة كثيرا حول ثورة أكثوبر، ولا تسمح إذن بفهم التطور اللاحق للاتحاد السوفييتي."، دون قدرتهم على تقديم حجة واحد على ذلك، إنه العبث الفكر الذي يتوخى بناء نظرية جديدة للثورة البروليتارية من أدوات مادية ميتافيزيقية للفكر المثالي الذاتي الجديد في أوساط "الماويين"، مما كان له تداعيات خطيرة على الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية وخاصة منظمة إلى الأمام، التي يسعى "الماويون المغاربة"، إلى إلصاق نظرياتهم المادية الميتافيزيقية بمظورها للطريق الثوري للثورة المغربية.
إن كل التقديمات السابقة لأصحاب الورقة، التي تتوخى تقديم "في التناقض" لماو، على أنه التطوير الممكن للماركسية إلى مستوى المعرفة، إنما هو عبث "الماوية" فيما يسمى التناقض الأساسي والتناقض الرئيسي، الذي يبرز في قولهم :"يجب هنا، أن ندقق، في كل سيرورة تكون محددة (موسومة) بفترات من داخل كل مرحلة. وبالفعل، فداخل كل مرحلة، لا توجد كذلك حركة خطية، فسيرورة التراكم، وسيرورة الانفجار، الجزئي على الأقل، تسجل كذلك تناقضات داخل السيرورة الطويلة التي تشمل المرحلة كلها.
إن هذا التميز بين المرحلة والفترة، يشرح الفرق بين التناقض الأساسي والتناقض الرئيسي. فالتناقض الأساسي يحدد المرحلة كلها، لكن كل فترة من هذه المرحلة تتميز بتناقض رئيسي." انتهى كلام الورقة.
ونرى هنا كيف يتم التلاعب بالكلمات، عبر تقزيم مفاهيم الماركسية، ومحاولة نفيها بتناول أجزاء معينة من قوانينها، وإعادة تجزيئها، للقول بأن ذلك اكتشاف جديد، والقول بالتناقض الأساسي والناقض الرئيسي يأتي ضمن مفهوم العام والخاص، في المادة والحركة، في العلاقة بينهما، وهو ليس باكتشاف جديد، إنما هو تكييف للمفاهيم الأساسية في المادية الديالكتيكية، من البسيط إلى المعقد، في كل معقد بسيط، وفي كل بسيط معقد، هكذا يتلاعب "الماويون" بالكلمات، لإيهام الماركسيين أنهم يطورون الماركسية، وفعلا يطورونها في اتجاه الكانطية، من العرفانية المادية إلى العرفانية المثالية الذاتية والسوليبسيسم، فمهما تكن محاولاتهم الخبيثة للهروب من المعرفة المادية الديالكتيكية عند لينين، يسقطون في تناقضاتهم الذاتية.
يقول لينين في هذا الصدد :"إن ماركس يحلل أولا، في "رأس المال"، أبسط الأشياء، وآلفها وأكثرها تواترا، الأشياء العادية، الأشياء الأساسية، ولا أكثر، الأشياء التي تصادفها آلاف المرات : العلاقات في المجتمع البرجوازي (البضاعي): تبادل البضائع، وتحليله يبين في هذه الظاهرة البسيطة )في "خلية" المجتمع البرجوازي هذه) جميع تناقضات ( respective أجندة جميع تناقضات) المجتمع المعاصر. إن تتمة هذا العرض يبين لنا تطور (ونمو، وحركة) هذه التناقضات وهذا المجتمع في Σ شتى أقسامه، منذ بدايته حتى نهايته.
هكذا يجب أيضا عرض طريقة (respective دراسة)الديالكتيك بوجه عام، (لأن ديالكتيك المجتمع البرجوازي ليس، بنظر ماركس، سوى حالة خاصة من حالات الديالكتيك). سواء بدأ بأي جملة من أبسط الجمل العادية، أو أكثرها تواترا، إلخ : أوراق الشجرة خضراء، زيد رجل، غبروش كلب، إلخ. فيها كما )لاحظ هيغل بصورة عبقرية( يوجد ديالكتيك : فما هو خاص هو عام، هكذا تكون الأضداد (الخاص ضد العام) متماثلة : فالخاص غير موجود إلا في العلاقة التي تؤدي إلى العام. والعام غير موجود إلا في الخاص، عبر الخاص. كل خاص له طابعه العام (بهذه الصورة أو تلك). وكل عام هو (جزء أو جانب أو جوهر) من الخاص. وكل عام لا يشمل جميع الأشياء الخاصة إلا في وجه التقريب. وكل خاص لا يشترك تمام الاشتراك في العام، إلخ، إلخ .. كل خاص يرتبط عبر آلاف الدرجات الانتقالية بعناصر خاصة من طبيعة أخرى(أشياء، ظاهرات، تفاعلات)، إلخ .. حتى هنا توجد عناصر وأجنة مفهوم الضرورة، عناصر وأجنة العلاقة الموضوعية في الطبيعة، إلخ. فالعرضي والضروري، والظاهرة والجوهر، موجودة حتى هنا، لأننا حين نقول : زيد رجل، غربوش كلب، هذه ورقة شجرة، إلخ ...، فإننا نبدد جمل من المميزات بوصفها من الأشياء العرضية، ونفصل الجوهري عما هو طارئ، ونعارض أحدهما بالآخر..."، كتاب "حول الديالكتيك".
لننظر هنا كيف أسس لينين لنظريته حول الديالكتيك، بصورة فائقة في الدقة، في التناقض بين العام والخاص في كل الأشياء، في الطبيعة كما في المجتمع، في العلاقة بين المادة والحركة، وقال عن المادة أنها "مقولة فلسفية للإشارة إلى الواقع الموضوعي"، واستعمل "المادة" في كل دراساته بعدما ميع التجريبيون مفهوم الواقع، وحدد العلاقة بين العام والخاص، في الطبيعة والمجتمع، من أبسط الأشياء إلى أعقدها، في العلاقة بين أجزاء الحركة، في تطورها، في العلاقة بين ما هو عام فيها، وما هو خاص، في العلاقة بين تناقضات العام والخاص، إلخ..
إن كل محاولة لتطوير الماركسية، بمحاولة تجاوز استنتاجات لينين، إنما هي محاولة للقطيعة الإبستمولوجية بين الماركسية والماركسية اللينينية، وتعويضها بتفاهات "الماوية" الصبيانية اليسارية في الحركة الماركسة ـ اللينينية.
فما معنى الأساسي والرئيسي ؟ هي كلمات يريد أصحابها تعويض مفاهيم ماركسية بها، دون القدرة عن إنتاج نظرية منسجمة مع المنهج المادي الديالكتيكي الماركسي، فتقديم مصطلح التناقض وتقسيمه إلى ما هي أساسي ورئيسي، وإسقاطه على التراكم الكمي للصراعات الطبقية في حركة المجتمع، التي ينتج عنها تراكم كيفي : القفزة النوعية، عند انفجار الثورات الاجتماعية، التي قال عنها ماركس أنها نتاج التناقض بين القوى المنتجة الثورية وعلاقات الإنتاج الرجعية في المجتمع الرأسمالي، ذي الصفة التناحرية، إنما هو تبسيط لما هو معقد في الحركة الاجتماعية، أي أقصى تفاعل قوانين الحركة على مستوى المجتمع البشري، فالمقارنة بين "المرحلة والفترة" في علاقتها ب"التناقض الأساسي والتناقض الرئيسي" وتحديد الرئيسي بالفترة والأساسي بالمرحلة في سيرورة من الفترات إلخ، إنما ينم عن الفكر الميكانيكي الذي يقول بالمطلق هو مطلق، والنسبي هو نسبي، بينما في الديالكتيك الماركسي في المطلق نسبي، وفي النسبي مطلق، ونفي صفة الأساسي فيما هو رئيسي، إن وجد الرئيسي، إنما هو جهل بالديالكتيك الماركسي، فحصر الفترات التاريخية للحركة فيما هو رئيسي، إنما هو عمل دوغمائي، من منطلق الفكر الميكانيكي، الذي ورط أصحاب الورقة في محاولة تجاوز خلاصات لينين حول الثورة والحركة الثورية، في المجتمعات الرأسمالية وتناقضاتها وسيرورة الصراعات الطبقية فيها.
إن محاولة أصحاب الورقة لفهم الصراعات الطبقية بالمغرب، وبناء الطريق الثوري للثورة المغربية، كما جاء في هذه الورقة، إنما تندرج ضمن مستويات تعليم تعاليم الماركسية للمبتدئين، وبشكل فج، فهي تروم القطيعة الإبستيمولوجية في النظرية الماركسية بتجاوز اللينينية، واختزال الماركسية فيما يسمونه "الماوية"، التي يقدمونها كنظرية متكاملة للثورة في عصر الإمبريالية، ذلك ما يتجلى في قولهم :"وفي كل هذا الذي يجب بناؤه، فتحطيم جهاز الدولة الكمبرادوري لن يمنع الأشكال السابقة من التطور من جديد، في هيئات جديدة، وأيضا، فصراع الطبقات سيستمر في أشكال جديدة تحت قيادة الديكتاتورية الديمقراطية الشعبية، وهنا أيضا نجد فترات متتالية من التراكم والانفجار، ولكن يمكن التحكم فيها في هذه المرة بواسطة الحزب البروليتاري، داخل جدلية حزب ـ جماهير الذي رسمت نموذجه العظيم الثورة الثقافية البروليتارية الصينية." انتهى كلام الورقة.
ونرى هنا كيف تم تشويه الصراعات الطبقة، في مقولة "الديكتاتورية الديمقراطية الشعبية"، من دولة ديكتاتورية البروليتاريا والديمقراطية البروليتارية، إلى هذا المصطلح الغريب عن الماركسية المركب من كلمات متناقضة، فمفهوم ديكتاتورية البروليتاريا نقيض دكتاتورية البرجوازية، من منطلق الصراع الطبقي الذي حددته الماركسية، في التناقض بين البروليتاريا والبرجوزية، أما الديكتاتورية البروليتارية ليست بمفهوم ماركسي، إن لم يكن التشويه المصطلحي لديكتاتورية البروليتارية، أي صناعة كلمات بديلة عن المفاهيم، التي وضعها ماركس، للقول بتطوير الماركسية، فعلا تطويرا في اتجاه المثالية الذاتية، أما إضافة كلمة الشعبية، فهي تندرج ضمن الرغبة في التميز عن الماركسية اللينينية، بما يسمى "الماوية"، ومصطلح الشعبية ليس بمفهوم طبقي يميز شكل الصراعات الطبقية من منظور "الماوية"، عن شكلها في النظرية الماركسية اللينينية.
في الأخير يقرون بإمكانية استمرار التناقضات في الحركة الثورية، في ظل ما سموه "الديكتاتورية البروليتارية الشعبية"، غير أنهم وجدوا لها الحل في قولهم :"وهنا أيضا نجد فترات متتالية من التراكم والانفجار، ولكن يمكن التحكم فيها في هذه المرة بواسطة الحزب البروليتاري، داخل جدلية حزب ـ جماهير الذي رسمت نموذجه العظيم الثورة الثقافية البروليتارية الصينية."، انتهى كلام الورقة.
ونرى كيف حاولوا اختزال كل شيء ينبع من الماركسية اللينينية، فقول لينين حول "الحزب، الطبقة والجماهير" أصبح في "نظريت"هم الجديدة "الحزب ـ الجماهير"، فلا وجود للطبقة، فقط الجماهير أي الشعب في ظل الثورة الشعبية، أي نفي الطبقية في مجتمعهم "الماوي" : "الشيوعية الماوية"، إنه العبث الفكري الذي يريد نفي المجتمع الاشتراكي الضروري في نفي الدولة، في اضمحلالها في دولة ديكتاتورية البروليتارية كما جاء في الماركسية، وليس "البروليتارية الديمقراطية الشعبية" كما يقولون.
بهذا المنظور اللاعرفاني المثالي الذاتي يريد السادة الأساتذة أصحاب هذه الورقة، محاربة اليمينية في الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية، وخاصة بمنظمة إلى الأمام، وذلك ببلورة "نموذج الثورة الثقافية البروليتارية الصينية"، في أوساط الجماهير، لكن مع الأسف الشديد تبخرت كل أحلامهم حول "الماوية"، بعد موت ماو تسي تونغ شهورا قليل قبل كتابة هذه الورقة، مما يؤكد خطأ أطروحتهم المثالية الذاتية، وهم لا يعلمون أن الصين انتقلت بشكل سلس نحو الإمبريالية، في نفس المرحلة التي يتحدثون فيها عن الفترات والانفجارات الثورية، بينما الاتحاد السوفييتي لم يتم تفكيكه إلا بعد 15 سنة ونهب أموال روسيا وتحويلها إلى نادي الإمبرياليات إلى جانب الصين، مما يطرح إعادة بناء الطريق الثوري للثورة المغربية.

عن الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية

عن مفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، الذي يعتبر أحد أصول الثورة في تصور منظمة إلى الأمام للثورة المغربية، يمكن أن نتفق عليه مبدئيا، لكن نختلف عليه من منطلق فهمه الأيديولوجي والسياسي، وحتى الاقتصادي، في التكتيك والاستراتيجية، في الديالكتيك والبراكسيس، وفي تفسير بنية المفهوم التركيبية اللغوية في حد ذاتها، ذلك ما يمكن أن يواجه أصحاب الوجبة الجاهزة للثورة المغربية، من أصحابنا "الماويين" المتهافتين لإلصاق فهمهم تعسفا بتصور المنظمة للثورة المغربية، بالتعسف على مفهوم تطوير الماركسية والماركسية ـ اللينينية.
وبالرجوع إلى أسس هذا المفهوم التاريخية، كما أشرنا لذلك سابقا، فإنه غير غريب عن التجارب الوطنية الثورية المغربية، خاصة الثورة الريفية ضد الإمبريالية ودولة البرجوازية التجارية، عبر أسس الحرب الوطنية الثورية الشعبية ضد الحرب الإمبريالية، التي وضعتها، الصيغة الجديدة للثورة بالبلدان المضطهدة، بما فيها الصين، وتأسيس أول دولة وطنية ديمقراطية شعبية بشمال إفريقيا.
هذا المفهوم إذن، ليس بغريب عن تجارب بلادنا الثورية ضد الإمبريالية، ولا نحتاج لمن يعطينا فيها دروسا، ويضعها أمام المناضلين مفصلا أيديولوجيا وسياسيا، أما مسألة تطويرها عبر التجربة الثورية بالصين فذلك شان آخر، يمكن أن نختلف أو نتفق حوله، فلكل حججه في تاريخ التجارب الثورية العالمية، وهي عديدة وعلى رأسها التجربة الثورية الفيتنامية الرائدة عالميا.
هكذا نرى هذه المسألة الشائكة، التي يريد أصحابنا "الماويين" الركوب عليها، ولن يكون ذلك بالسهل عليهم، فتجربة بلادنا الثورية أولى بنا من أي أحد آخر، بالاستفادة منها، بالرجوع إلى أصولها التاريخية، لو عاش ماو تسي تونغ اليوم، لقال لهؤلاء الأساتذة نفس الكلام عن هذه التجربة الثورية العالمية، كما فعل يوما مع انتهازية حزب التحرر والاشتراكية عندما زاروا الصين.
وبالرجوع إلى الورقة نجد مجموعة من المصطلحات التي تناولناها بالدرس، خاصة التي لها علاقة اصطلاحية بمفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، فالثورة الوطنية يجب أن تكون ديمقراطية، وأن تكون شعبية حتى تنتصر، وهاذان الشرطان أساسيان في انتصارها الحتمي، على شكل الحرب الثورية ضد الحرب الإمبريالية، ذلك ما قام به القائد الثوري محمد بن عبد الكريم الخطابي، في ظل دولة البرجوازية التجارية عميلة الإمبريالية، لكن هل تتم في مرحلة واحدة، أم في مرحلتين متتاليتين ؟ أو منقطعيتين ؟ هنا أيضا قد نختلف مع أصحابنا "الماويين"، الذين يحملون نسخة جاهزة طبق الأصل للنسخة الصينية، وقد نختلف معهم اختلافا جوهريا.
وحول ما جاء في هذه الورقة المليئة بمصطلحات لا علاقة لها بالمفاهيم الماركسية، نختلف معهم جوهريا : ضد تحريف المفاهيم الماركسية المحددة للصراع الطبقي، المحرك الأساسي للتاريخ كما حدد ماركس ذلك، وأكده لينين عبر إنجاز الثورة البروليتارية، عبر مرحلتين : الانتفاضة والحرب الأهلية، وليس عبر الانتفاضة فقط كما يدعي "الماويون" في نقدهم للبلشفية، إنما أيضا عبر الحرب الوطنية الثورية الديمقراطية ضد الحرب الإمبريالية وعملائها من الانتهازيين، البرجوازيين والملاكين العقاريين، في حرب دامت أربع سنوات، وهي حرب شعبية بقيادة البروليتاريا، دفاعا عن الوطن الاشتراكي، وتجاوز الثورة البرجوازية بقيادة الانتهازية التي تم إسقاطها.
إن محاولة أصحاب الورقة الرامية إلى تقديم تصورهم للثورة المغربية، عبر ما سموه "التناقض الأساسي" و"التناقض الرئيسي" في علاقتهما ب"المرحلة" و"الفترة"، من أجل تحديد طريق الثورة المغربية، إنما هو لعب بالكلمات وهروب إلى الأمام، من أجل تقديم "حسائهم الاختياري" كما قال إنجلس في نقده للكانطيين.
والتناقض، يعتبر أحد القوانين العامة للحركة، التي حددها ماركس وإنجلس بعد اكتشافه في الطبيعة والمجتمع معا، فلا غبار عنه، والحركة الثورية يسري عليها ما يسري على الحركة بصفة عامة، والثورة باعتبارها حركة خاصة في المجتمع، في أقصى تجليات الحركة في تناقضاتها، تضم بداخلها ما هو عام وما هو خاص ككل حركة، مع العلم أن في كل عام خاص، وفي كل خاص عام، وليس هناك عام مطلق ولا خاص مطلق إلا في حدود معينة جدا، والثورة تحمل صفة الوحدة، لكنها حابلة بالتناقضات في ظل الوحدة، فالتناقض الأساسي في الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية هو الصراع الأساسي ضد الإمبريالية، بين البروليتاريا والبرجوازية، بين الحرب الثورية والحرب الإمبريالية، وهو المحدد الأساسي لسيرورة الثورة في طريقها نحو الانتصار، وهو يشمل مرحلة الثورة عامة، منذ بروزها على شكل تناقضاتها البسيط إلى أعلى تناقضاتها المعقدة : الحرب الثورية، والتناقض الرئيسي هو كل ما يشمل هذه المرحلة من قفزات نوعية، لما يكتمل نضج كل قفزة، عبر تراكمها الكمي الذي يتولد عمه تراكم كيفي، الذي يصبح معطى جديدا، وثابتا في سيرورة الثورة، ومحددا من محددات صيرورتها، وفي أعلى تجلياته ميلاد الحزب الثوري، الحزب الماركسي ـ اللينيني.
أما اختزال التناقض الأساسي والرئيسي في المرحلة والفترة، كما فعل أصحاب الورقة، فما هو إلا لعب بالديالكتيك للمبتدئين من المتعلمين لتعاليم الماركسية، فالمرحلة والفترات هي أجزاء من التاريخ الطويل للثورة، كما هو الشأن بالنسبة للثورة المغربية ذات التاريخ الطويل في الصراعات الطبقية، وتناقضاتها، خلال مرحلة الإمبريالية لم يتغير فيها ما هو أساسي وما هو رئيسي، إذ لم تحدث فيها ثورة برجوازية يمكن أن نعتبرها قفزة نوعية، تحدد صيرورة الثورة المغربية، بل تعمق فيها التناقض الأساسي : في الصراع ضد الإمبريالية، وتمركز فيها التناقض الرئيسي : في الصراع ضد دولة البرجوازية التجارية، المهيمنة على السياسة والاقتصاد، هنا يكمن الطرح الديالكتيكي للثورة في علاقته بالبراكسيس وبناء الحزب الثوري : قائد الثورة.
وكل ما جاء في هذه الورقة وفي ملحقها، يمكن تصنيفه ضمن ممارسة ديماغوجية، حاول عبرها أصحابها تقديمها على أنها علم الديالكتيك الماركسي، وهو ديالكتيك ميتافيزيقي مغلف بالديماغوجية طبعا، والحامل لأخطاء نظرية سموها علم "الماوية"، وأكدوا ذلك بالملموس في تحريف المفاهيم الماركسية، في إصرار أعمى على تجاهل الديالكتيك الماركسي عند لينين، من أجل تقديم "حسائهم الاختياري" على أنه تطوير للمعرفة الماركسية من طرف ماو تسي تونغ، وهو بريء من هذا القول حيث لم يقر يوما أنه تجاوز لينين وبعد ستالين.
فالورقة تكرس بشكل فج، مقولة "نحن لسنا بحاجة إلى أعمال لينين" القيمة، ولا ل"تجربة ستالين الثورية"، ما دامت هناك نظرية جديدة للثورة في عصر الإمبريالية : "الماوية"، من أجل تحقيق ما سموه "الديمقراطية الجديدة" ثم "الاشتراكية"، في فترات من "النضالات الديمقراطية الجماهيرية الكبيرة" من أجل تحطيم "أجهزة الدولة الكمبرادورية" تحت قيادة "الديكتاتورية الديمقراطية الشعبية" التي "يمكن التحكم فيها هذه المرة بواسطة الحزب البروليتاري داخل جدلية حزب ـ جماهير"، هكذا بنى هؤلاء الأساتذة تصورهم المثالي الذاتي حول الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، لكن دون القدرة على تحديد كيف بنوا حزبهم البروليتاري هذا ؟ وهي آليات "جديدة" خالية من المضمون الماركسي اللينيني : حزب ـ جماهير، في تغييب للطبقة.
الورقة تنتقد كذلك الميكانيكية في التفكير، لدى اليمين في الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية، ولكن دون قدرة أصحاب الورقة على التخلص من الفكر الميكانيكي، الذي جعلهم يمارسون القطيع الإبستيمولوجية في النظرية الماركسية اللينينية، وذلك بنفي التجربة الثورية البلشفية التي استفاد منها ماو تسي تونغ بنفسه، عدا ذكر "الحزب البروليتاري"، لكن دون الحديث عن سيرورة بنائه خلال ما سموه "المرحلة"، ودون الحديث عمن يقود ما سموه "دكتاتورية الديمقراطية الشعبية" و"النضالات الديمقراطية الجماهيرية الكبيرة"، ولا تحديد الطبقة التي تقود هذه النضالات ولا الأدوات التنظيمية الجماهيرية، وهل هي أيضا تنظيمات جديدة شعبية ؟ أم ماذا ؟
تسير الأحداث في الورقة، في شكل خليط من الأفكار غير المنسجمة مع الواقع الموضوعي للصراعات الطبقية بمغرب ما بعد موت ماو تسي تونغ، كأننا في جزيرة معزولة عن عالم الإمبريالية، جزيرة تشاهد سيرورة بناء "الديمقراطية الجديدة" بمغرب "الماويين"، دون أن تحرك الإمبريالية ساكنا ؟ إنه الفكر المثالي الذاتي لدى أصحابنا "الماويين" المسيطر على أصحاب الورقة، الذين يقدمون أنفسهم على أنهم ثوريون، بعد الشهيد عبد اللطيف زروال، ولو فكرة من أفكاره الثورية واردة في الورقة، كأن فترة من الفترات الزاهية في حياة المنظمة لم تمر يوما، وأقروا بكل إيمان أعمى أن الثورة الصينية أسقطت الإمبريالية، وهي وجبة ثورية جاهزة للتطبيق بالمغرب وغرب إفريقيا : الحرب الوطنية الثورية بالصحراء الغربية، التي هي الأخرى لم تحظ بشيء يذكر في الورقة.
إن سقوط أصحاب الورقة في الديالكتيك الميتافيزيقي، في تناولهم للحركة الاجتماعية، وفي أقصى تجلياتها : الثورة الاجتماعية في عصر الإمبريالية، إنما يعبر بكل وضوح عن نتاج فكر مثالي ذاتي : النكسات التي ألمت بالحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية، أيديولوجيا وسياسيا، خلال تاريخها الطويل المليء بالتضحيات، دون التقدم خطوة إلى الأمام في سيرورة تأسيس الحزب الماركسي ـ اللينيني المغربي، ذلك أن الفكر المثالي الذاتي المسيطر على تصورات قادة منظمة إلى الأمام، بعد اغتيال الشهيد عبد اللطيف زروال، حال دون قدرتهم على فرز قيادة ثورية مسلحة بالديالكتيك والبراكسيس، مما جعل أصحاب هذه الورقة يقفزون على المراحل المهمة في تاريخ الثورة المغربية ويبخسونها، محاولين تجاهلها رغم أنها واقع موضوعي، وهو محدد أساسي لكل خطوة متقدمة في طريق الثورة المغربية، ونقصد هنا بالذكر التجربتين الثوريتين بالجنوب والشمال، بالريف وبالصحراء الغربية، مما جعلهم يقدمون وجبتهم الثورية "الماوية" بشكل فج، ومازالوا يقدمونها إلى اليوم رغم النكسات التي حلت بالتجربة الثورية الصينية.
واليوم وقد تعمقت التناقضات في السيرورة الثورية في البلدات المضطهدة، وتعيش الأحزاب الشيوعية والتنظيمات الماركسية ـ اللينينية نكسات عميقة، في الوقت الذي يعرف فيه النهوض الجماهيري الشعبي اندفاعا هائلا نحو الديمقراطية والتحرر، مما يتطلب التنظيم أكثر فأكثر كما قال المعلم لينين، مازال نفس التفكير يهيمن على أغلب هذه التنظيمات، إلى حد الانصهار في المد الظلامي المهيمن على الانتفاضات الشعبية، من المحيط إلى الخليج، مما يعيد إلى الواجهة بناء الحزب الماركسي ـ اللينينية المغربي، كأولوية نادى بها الشهيد عبد اللطيف زروال في وثيقة "لنبن الحزب الثوري تحت نيران العدو"، وبقيت هذه المهمة الملحة إلى الآن دون الشروع في إنجازها، مما يضع مثل هذه الأوراق في خانة المزايدة السياسية وتعميق الصراعات داخل الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية.

عن تطوير الماركسية اللينينية

مما لا جدال فيه أن الماركسية تنطلق من المادة، باعتبارها "مقولة فلسفية للإشارة إلى الواقع الموضوعي" كما سماها لينين في نقده للتجريبيين، الذين حرفوا مفهوم "الواقع" في علاقته بالفكر المادي، فالماركسية تنطلق من الواقع الملموس، لبناء النظرية العلمية المادية، لتعود بالممارسة إلى هذا الواقع الموضوعي لتطويره، وتغييره، وبالتالي تطوير النظرية الماركسية، فالعلاقة الجدلية بين النظرية الثورية والممارسة الثورية، هي نتاج حركة الإنسان في الطبيعة، منذ تطور المادة إلى مادة حيوية وتكوين المخ وتطوره عند الإنسان.
إن بناء النظرية العلمية المادية، هو نتاج تطور الفكر البشري، عبر ملايين السنين، وهو نتاج الصراع الطبقي في عصور متقدمة من تاريخ البشرية، باعتبار "الصراع الطبقي محركة التاريخ" كما سماه ماركس.
وتشكل النظرية العلمية المادية الثورية، خلال القرنين الماضيين، نتاج تقدم الصراع الطبقي بعد تطور وسائل الإنتاج المادية، والثقافية، بشكل هائل، والنظرية الماركسية باعتبارها أعلى تصور علمي مادي للحياة، لا تقبل الشوائب المثالية، في النظر إلى الحركة الطبيعية، الاجتماعية، والمعرفية، وهي نتاج تطور الصراع الطبقي، في عصر الرأسمالية، التي عرفت بدورها مراحل تطورها، المادي التاريخي، عبر المستويات الثلاثة لتطور الرأسمالية، التي تعتبر المادة الحاضنة، لنمو وتطور النظرية الماركسية، في علاقة جدلية بالتناقضات ال،ساسية، بين الرأسمال والعمل، من الرأسمال التجاري، مرورا بالرأسمال الصناعي، وصولا إلى الرأسمال المالي، ومن بروز أسس الرأسمالية، مرورا بالرأسمالية التنافسية، وصولا إلى الإمبريالية، باعتبارها "أعلى مراحل الرأسمالية" كما سماها لينين، الذي طور الصراع الطبقي، بنقله من المعمل بين الرأسمال والعمل، إلى المجتمع ككل بين الاشتراكية والرأسمالية، لما أكد إمكانية تحقيق المجتمع الاشتراكي، في مقابل المجتمعات الرأسمالية.
إن تطور الماركسية إلى ماركسية لينينية، إنما هو نتاج تطور الماركسية خلال مراحل تطور الرأسمالية، وليس كناية فقط عن منظرها التاريخي لينين، وهي كذلك نتاج تطور التجربة الاشتراكية بالاتحاد السوفييتي، فالماركسية اللينينية باعتبارها أعلى مراحل الماركسية، إنما هي نتاج مادي تاريخي، لتجاوز أعلى مراحل الرأسمالية، أي الإمبريالية، "عشية الثورة الاشتراكية" كما سماها لينين، واستطاعت التجربة الاشتراكية بالاتحاد السوفييتي، تجاوز الإمبريالية، وتطبيق الماركسية اللينينية، في الاتحاد السوفييتي، تطورت خلالها النظرية الماركسية إلى ماركسية لينينية، ماديا تاريخيا، والماركسية اللينينية هي النظرية العلمية المادية الثورية، نتاج الصراعات الطبقية في المجتمع الاشتراكي بالاتحاد السوفييتي، وليست فكرا مجردا تم في دهاليز الدواوين.
إن كل من يدعي تطوير الماركسية اللينينية إلى "ماوية"، إنما منطلقاته مثالية ذاتية، باعتقاده أنه بإمكانه تجاوز تطور الرأسمالية، إلى مرحلة أعلى وهي الإمبريالية، وتجاوز الماركسية إلى مرحلة أعلى وهي الماركسية اللينينية، خارج المادة التي انبثقت منها وهي التجربة الاشتراكية، التي تعتبر نتاج تطور الرأسمالية، إلى مرحلة أعلى، وتجاوز الإمبريالية في الاتحاد السوفييتي، لتحقيق المجتمع الاشتراكي، وبناء تصور علمي مادي، لقوانين الاقتصاد الاشتراكي، الأساس المادي للنظرية الماركسية اللينينية، وهذا لا يعني أنه لا يمكن تحقيق الاشتراكية أبدا، إنما تطوير الماركسية اللينينية، يبدأ في تطبيق أسسها المادية، في الواقع الموضوعي، وتجاوز تجربتها في الاتحاد السوفييتي، فلا الصين استطاعت تطوير الماركسية اللينينية، لكون أساسها المادي شبه إقطاعي، رغم أن ماو يعتبر ماركسيا لينينيا، فقوانين تطور النظرية إنما تنبع من المادة، وليس من الفكر، فالمادة الخام للماركسية الينينية، إنما هي الشروط المادية التاريخية للثورة البروليتارية، وهي: الإمبريالية أولا، وتطور الطبقة العاملة ثانيا، وتوفير الحزب الماركسي ـ اللينيني ثالثا، كل هذه الشروط الثلاثة لم تقع إلا مرة واحدة في الاتحاد السوفييتي، أما تجارب تطبيق الماركسية اللينينية على شروط مادية تاريخية أخرى، كما هو الشأن بالصين، إنما هو محاولة مواجهة تداعيات الإمبريالية العالمية (الاستعمار والحرب)، من منظور ماركسي لينيني، وأن تكون ماركسيا لينينيا لا يعني أنك تستطيع بناء المجتمع الاشتراكي، من منطلقات فكرية مجردة، وتدعي أنك تطور النظرية الماركسية اللينينية دون أساس مادي.
إن تطور النظرية الماركسية اللينينية، ليس مرتبطا بالتسلسل التاريخي للأحداث، وتعاقبها، إنما يتم عبر توفير الشروط المادية التاريخية للتطور، وليس إرادة ذاتية للثوار أمثال ماو، كما يدعي المتعلقون بهذه التجربة، كما أن تطور النظرية الماركسية اللينينية، ليس متعلقا بتطور وسائل الإنتاج المادية والثقافية في عصر الإمبريالية، وتطور الاحتكارية إلى احتكارية الدولة كما وضعها لينين، هذا التطور الهائل الذي يذهل أصحاب نظرية وجوب تطوير الماركسية اللينينية، كما "طورها ماو"! الذين يسعون إلى اختزال النظرية العلمية المادية الثورية، في تجارب جزئية منعزلة لم تستطع تجاوز التجربة الاشتراكية بالاتحاد السوفييتي، والذين يقودهم فكرهم المثالي الذاتي إلى القول بأن الإمبريالية قد تطورت ولهذا يجب تطوير الماركسية اللينينية، كما "طورها ماو"، ونعه كل من يعارضهم بالتحريفية، وبالتالي نعت جميع الماركسيين اللينينيين بالتحريفيين، ولم يستطيعوا تقديم أدنى دليل مادي تاريخي على تقدم هذه التجربة، المدرسة الصغيرة من مستوى التجربة الاشتراكية بالاتحاد السوفييتي، وهم يكتفون بالقول أن الإمبريالية تطورت دون القدرة على تفسير أين يتجلى هذا التطور، وهم يجهلون أنهم منبهرون بالتقدم التكنولوجي لوسائل الإنتاج المادية، والثقافية، التي بإمكانهم استعمالها هم أنفسهم دون القدرة على التقدم خطوة إلى الأمام، في اتجاه تحقيق المجتمع الاشتراكي نظرا لطبيعة فكرهم المثالي الذاتي.
لقد أشار لينين إلى أهمية تطور وسائل الإنتاج المادية، في تطور الأساس المادي للثورة بروسيا، لما نادى إلى ضرورة ربط الوطن بشبكة الكهرباء، باعتبارها آنذاك ذات أهمية في الحياة، كما أشار إلى أهمية السكك الحديدية، باعتبارها سيف ذو حدين، في دور المواصلات، في تطور الحياة، ودورها كوسيلة من وسائل الاستعمار، واستغلال الثروات، والآن وقد تطورت هذه الوسائل بشكل هائل، لكن لم تتطور الدولة الاحتكارية، كما حددها لينين، ولا تطور الرأسمال المالي إلى رأسمال أعلى، كما حدده، ولم تتطور حركة الصراعات الطبقية، إلى حد يجب فيه تطوير الحزب الماركسي ـ اللينيني إلى مستوى أعلى، برزت معه طبقة ثورية أكثر ثورية من البروليتاريا، فعن أي تطور يتحدث "الماويون" إن لم يكن تطوير الخلافات داخل الحركة الماركسية اللينينية المغربية ؟

سيرة محمد بن عبد الكريم الأمير من مسقط رأسه بأجدير إلى القاهرة مثواه الأخير

بمناسبة الذكرى 45 لرحيل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ومساهمة من جمعية ذاكرة الريف في التعريف بتاريخ ورموز الريف، تقدم الجمعية هذه الورقة الأولية حول الزعيم المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي.

*إسمه:
عرف محمد بن عبد الكريم الخطابي بعدة أسماء وألقاب محليا ودوليا وارتبطت هذه الأسماء بفترات حياته ونضاله، إذ اشتهر في الريف بمولاي موحند، القائد موحند، السي موحند، ميس نسي عبد الكريم، الفقيه السي موحند، الرايس مولاي موحند، المجاهد الكبير، الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، واشتهر دوليا بعبد الكريم الخطابي وهو اسم والده الذي يعتمده عدد كبير من الباحثين. وأغلب الأسماء السابقة ارتبطت بجوانب من شخصيته ومهامه النضالية والإدارية، وأهم لقب كان هو لقب الأمير الذي أعطي له من قبل مؤتمر مندوبي القبائل يوم 18 يناير 1923 والذي أعلن فيه استقلال الريف وقيام الجمهورية الريفية وتشكيل مجلس ممثلي القبائل وعوض لقب الأمير لقب الفقيه الذي كان يحمله قبل معركة أنوال ولقب الرئيس الذي حمله بعدها.

* أسرته:
مولاي موحند هو محمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الخطابي الورياغلي الريفي، وأسرة الخطابي سكنت أجدير بالقرب من خليج الحسيمة أمام جزيرة النكور، وعرف عن هذه الأسرة تفوقها في الاعتناء وتربية أبنائها وتعليمهم واشتهر أفرادها بالعلم والسياسة وشغلوا مناصب القيادة والقضاء وأحسنوا التصرف أثناء مزاولتهم لمهامهم إذ عرف عنهم الإخلاص والصدق والأمانة، وتميزت هذه الأسرة بالترابط العميق بين أفرادها مما أهلها للتغلب على المشاكل والصعاب التي واجهنها سواء في الريف قبل وخلال الثورة أو بعدها في المنفى بجزيرة لا رينيون أو أثناء الإقامة في مصر.

مراحل حياة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي:

يقسم الباحثون حياة محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى أربعة مراحل متمايزة فيما بينها:

ـ تمتد الأولى من 1882 إلى 1918 وهي مرحلة الطفولة والتكوين والعمل في الإدارة الإسبانية.
ـ تمتد الثانية من 1918 إلى 1926 وهي مرحلة حرب التحرير الريفية.
ـ تمتد الثالثة من 27 ماي 1926 إلى ماي 1947 وهي مرحلة المنفى بلارينيون
ـ تمتد الرابعة من ماي 1947 إلى 6 فبراير 1963 وهي المرحلة الثانية من المقاومة ضد الاستعمار والطغيان.

مرحلة الطفولة والتكوين والعمل في الإدارة الإسبانية، 1882- 1918:

عرفت هذه المرحلة ولادة محمد بن عبد الكريم الخطابي بأجدير سنت 1882، وبعد سنة من ولادته عين والده عبد الكريم قاضيا على أيث ورياغل، ولم تمنعه المهمة من الإشراف على تعليم إبنه دروس الدين والفقه واللغة ومبادئ التاريخ وعند بلوغه 20 سنة (في 1902) أرسله إلى فاس لمتابعة دروسه بالقرويين وفي سنة 1904 عاد إلى أجدير ليساعد والده في أعماه الخاصة، وفي 1906 عاد إلى فاس لاستكمال تعليمه وتنفيذ مهمة رسمية لدى المخزن في شأن الجيلالي الزرهوني(بوحمارة) وكان النقاش السياسي في فاس محتدما بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء والصراع بين عبد العزيز وعبد الحفيظ حول السلطة. وخلال هذه المرحلة(1906) كانت قناعة عبد الكريم الخطابي (الأب) ترى أن الحكمة والرأي السديدين يقتضيان التعاون مع إسبانيا التي تستطيع مساعدة الريف على النهوض بأوضاعه وإصلاحها، خاصة وأنها دولة جارة وفي نفس الوقت أضعف من أن تستطيع إخضاع الريف. وكانت هذه القناعة وراء إرسال عبد الكريم الخطابي لإبنيه محمد وامحمد أواخر 1906 إلى مليلية لمواصلة تعليمهم. وأثناء إشراف محمد بن عبد الكريم الخطابي على تدريس أبناء المغاربة بمليلية أثار نبوغه اهتمام الإسبان فعينوه أستاذا للغة الأمازيغية والعربية في الأكاديمية الحربية بمدينة مليلية، وعمل محررا للصفحة العربية في جريدة Tegegrama del Rif كما عمل كاتبا ومترجما ثم مساعدا لمدير مكتب الشؤون الأهلية بالمدينة. وفي سنة 1910 أصبح قاضيا بنفس المدينة فقاضيا للقضاة وحصل على عدة أوسمة ومكافآت( الصليبان الأحمر والأبيض للاستحقاق العسكري – ميدالية إفريقيا...). - لكن تأييده عند بداية الحرب العالمية الأولى – للمخططات الألمانية والتركية في المغرب ضد فرنسا ونجاح خصوم ومنافسين محليين لوالده في الإيقاع بينه وبين أسبانيا أدى إلى تعرضه للاعتقال السياسي من 6 شتمبر 1915 إلى مطلع غشت 1916. حاول خلالها الفرار ليلة 23 دجمبر 1915 لكن محاولته انتهت بكسر في رجله اليسرى. ورغم بطلان تهمة الخيانة العظمى التي ألصقت له، لم يطلق سراحه إلا بعد أن تعهد هو ووالده باستئناف التعاون مع أسبانيا التي تعهدت بتغيير سياستها تجاه الريف، وواصل بذلك عمله بمليلية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى حيث غادرها إلى مسقط رأسه أجدير في دجمبر 1918 خاصة بعد توجسه من التقارب الفرنسي الإسباني وبداية تنقية الأجواء بينهما.

مرحلة حرب الريف التحريرية، من دجمبر 1918 إلى 27 ماي 1926:

عند عودة محمد بن عبد الكريم إلى أجدير أحجم عن الخوض في القضايا السياسية طيلة 1919. ومع بداية 1920 أصبح الجنرال سلفستري حاكما عاما على المنطقة، وحاول القيام بإنزال بحري في خليج الحسيمة دون جدوى، مما دفع به لاحتلال عدة مناطق في الريف الشرقي والزحف نحو الريف الوسط، وقد تصدى له القاضي عبد الكريم الذي أسس مركزا للمجاهدين في تفرسيت لكنه تعرض لتسميم، حسب أغلب المصادر، وعندما كان على فراش الموت خاطب إبنيه محمد وامحمد قائلا لهما: " إن لم تستطيعا الدفاع عن استقلال الريف وحقوقه فغادراه إلى مكان غيره" وبعد وفاة عبد الكريم الخطابي في 7 غشت 1920، حمل إبنه محمد مشعل المقاومة، فعقد في 20 شتمبر 1920 لقاء بأجدير جمع عددا كبيرا من زعماء قبيلة أيث ورياغل والفقيه محمد علي بولحيا التوزاني، خلص إلى ضرورة تجاوز الأحقاد والتصدي للأخطار المحدقة بأرض الريفيين ودينهم وأعراضهم.

وأنشأ بعد ذلك مركز للمجاهدين بجبل/ جب القامة الذي تمت فيه لقاءات متواصلة بين زعماء القبائل الريفية خلال أبريل وماي 1921، أسفرت عن انتخاب محمد بن عبد الكريم قائدا عاما للمقاومة الريفية، التي حققت تحت قيادته أول انتصار كبير في معركة دهار أوبران أول يونيو 1921، ثم في موقع إغريبن يوم 17 يوليوز 1921 وبعد أربعة أيام تم اكتساح مركز أنوال بعد انسحاب فاشل للجيش الإسباني من هذا الموقع. وفي 2 غشت تمت السيطرة على جبل العروي، واتخذ محمد بن عبد الكريم قرارا أثار عدة تأويلات بعدم احتلاله مليلية، ليظل ما بقي من 1921 وطيلة 1922 في موقع دفاعي من الناحية العسكرية، وعمل على تنظيم المناطق المحررة سياسيا وعسكريا وإداريا مما ساعده على عقد مؤتمر عام يوم 18 يناير 1923 حضره مندوبون عن القبائل، أعلن عن استقلال لريف وقيام جمهوري الريف، وشكل مجلسا لممثلي القبائل وبايع محمد بن عبد الكريم أميرا، وشكل حكومة تحت رئاسته كما أصدر بيانا وجهه باسم جمهوري الريف إلى جميع الأمم داعي إياها إلى الاعتراف باستقلال جمهورية الريف من خط الحدود مع المغرب جنوبا حتى البحر المتوسط شمالا ومن وادي ملوية شرقا حتى المحيط الأطلنتي غربا، وإلى إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية معها. وقام الأمير بعد ذلك بتوسيع نفوذه غربا خاصة بعد دخول قواته مدينة الشاون في دجمبر 1924 وأسرها لأحمد الريسوني في 24 يناير 1925، ليصبح بذلك الأمير الزعيم الوحيد شمال المغرب، واتسعت دولته لتشمل معظم المنطقة الخليفية، فوضع شبكة الهاتف للاتصال بين القيادة المركزية والجبهات المختلفة، وشبكة من الطرق تربط المناطق بالعاصمة أجدير، إضافة إلى إنشاء العديد من المحاكم.

ودخل بعد ذلك في مواجهة مع فرنسا بعد استيلاء قواتها على أعالي ورغة التي كانت خارج نفوذها، فهاجم عليها يوم 12 أبريل 1925 فوصلت القوات الريفية إلى مشارف فاس. بعد ذلك بدأ التعاون الإسباني – الفرنسي إذ وقعا اتفاقا بينهما في 25 يونيو 1925 للقضاء على المقاومة الريفية بجميع الوسائل، حيث تم استخدام أسلحة حديثة متطورة بعضها محظور دوليا، ليقترفوا بذلك أحد أبشع الجرائم ضد الإنسانية باستعمال الغازات السامة التي استهدفت التجمعات السكنية والأسواق والمواسم، وعزلوا المنطقة مما أدى إلى نجاح القوات الإسبانية في إنزالها بخليج الحسيمة يوم 8 شتمبر 1925 واحتلال أجدير في 2 أكتوبر ونهبها وإحراق معظم مساكنها فأصبحت بذلك تركيست هي العاصمة. وأمام بشاعة الأساليب التي استعملتها القوتان المتحالفتان التي وصلت إلى حد إبادة الأطفال والشيوخ والنساء والعزل، أمام كل هذا، اضطر الأمير إلى الدخول في مفاوضات بين 22 أبريل و6 ماي 1926 مع فرنسا وإسبانيا، لكنها فشلت وتواصلت العمليات من جديد فتم احتلال ترجيست يوم 23 ماي فاضطر الأمير للجوء إلى اسنادة عند الشريف حميدو الوزاني، وبعد أربعة أيام من المفاوضات مع الفرنسيين قرر محمد بن عبد الكريم الاستسلام يوم 27 ماي 1927.

مرحلة المنفى بلارينيون، من 27 ماي 1927 إلى 31 ماي 1947:

بعد استسلام الأمير نقل إلى فاس التي وصلها يوم 1 يونيو 1926 رفقة أفراد عائلته ومرافقيه، وبعد ثلاثة أشهر من المفاوضات حول مصير الأمير بين إسبانيا وفرنسا، امتنعت هذه الأخيرة عن تسليمه لإسبانيا ملتزمة بتعهداتها له، فتدخلت انجلترا واقترحت حلا وسيطا تمثل في نفي الأمير إلى جزيرة لاريونيون، فنقل إلى الدار البيضاء يوم 27 غشت 1926. وفي 2 شتمبر حمل رفقة عائلته على ظهر السفينة عبدة إلى لاريونيون التي وصلها في 10 أكتوبر 1926. وقد عانى الأمير وعائلته من الطقس.

غير الملائم بالجزيرة والأوبئة التي كانت تنتشر بها وخاصة الملاريا. ورغم وصول الاشتراكيين إلى الحكم بإسبانيا سنة 1931، إلا أنهم رفضوا الموافقة لوزارة الخارجية الفرنسية على إطلاق سراحه، ونفس الموقف اتخذه الديكتاتور الجنرال فرانكو الذي كان ألد أعداء الأمير، وذلك بعد انتصاره في الحرب الأهلية. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية قررت فرنسا نقل الأمير وعائلته إلى ترابها وذلك في فبراير 1947، ونفذت العملية في 3 ماي من نفس السنة، إذ غادر الأمير لاريونيون على متن الباخرة كاتومبا، وفي 31 ماي نزل الأمير وعائلته المكونة من 42 فردا بميناء بور سعيد في مصر، وطلب اللجوء السياسي بها، لتبدأ مرحلة جديدة من نضاله ضد الاستعمار والطغيان، بعد أزيد من 20 سنة من المنفى التي ظل خلالها مواكبا للتطورات السياسية العالمية عن كثب.

مرحلة النضال ضد الاستعمار والطغيان، من 31 ماي 1947 إلى 6 فبراير 2006:

بعد فترة الاستشفاء والنقاهة التي قضاها الأمير في المستشفى الملكي ثم مستشفى المواساة بالإسكندرية، بدأ العمل والنضال في إطار مكتب "المغرب العربي" الذي أنشأه الزعماء المغاربيون بمصر، وكان حذرا في تعامله مع إطراف هذا المكتب، نتيجة تشككه في الأحزاب السياسية وعدم ثقته الكاملة في زعمائها، وخلال السبعة أشهر التي قضاها بالمكتب جدد اتصالاته مع رفاق السلاح الذين اشتغلوا تحت قيادته في حرب الرف التحريرية، وعمل على تأسيس لجنة "المغرب العربي" من الأحزاب التي أسست المكتب المذكور، إضافة إلى أحزاب أخرى وشخصيات مستقلة، وفي 05 يناير 1948 انتخب الأمير رئيسا لهذه اللجنة وشقيقه امحمد نائبا لها بصفة دائمة وبقية الأعضاء تم انتخابهم بصفة مؤقتة، وقد رفض خلال مدة اشتغاله باللجنة عدة عروض من دول أجنبية وعلى رأسها قطبي الحرب الباردة، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، التي حاولت تقيم دعم مشروط لمشروعه التحريري لشمال إفريقا. وأرسى قواعد اللجنة بالقاهرة وأنشأ فروعا لها بلبنان وسوريا، كما وجه عدة رسائل وموفدين إلى مختلف دول العالم الإسلامي لتعريفهم بدواعي وأهداف تأسيس اللجنة. وبموازاة ذلك عمل على تكوين جيش تحرير المغرب الكبير من قدماء المقاومين ومن المتطوعين المغاربيين في حرب فلسطين سنة 1948، والفارين من التجنيد في الجيش الفرنسي بحرب الهند الصينية، والطلبة الوافدين على المشرق للدراسة والحجاج، فأرسل بعثات طلابية إلى الكليات العسكرية بالعراق وسوريا لتكوين ضباط عسكريين، كما أشرف على معسكرات تدريبية بمصر، وأعد الخطة العسكرية الكفيلة بتحرير المغرب الكبير بشكل شامل، بتوحيد المقاومة وتكثيفها في تونس والجزائر والمغرب. لكن طغيان المصالح الحزبية الضيقة وظهور الصراعات بين الزعامات، دفعت الأمير إلى إحداث قطيعة مع لجنة تحرير " المغرب العربي" ودفع في اتجاه انطلاقة اعمل المباشر الميداني الكفاحي في تحد للزعامات السياسية المعتمدة على المهادنة. وكان لتزامن عمليات جيش التحرير الأولى في المغرب والجزائر التأثير البارز على فرنسا، التي سعت إلى التخلي عن تونس والمغرب للإبقاء على الجزائر، وهو المر الذي تناغم مه انتهازية ووصولية الزعامات السياسية الحزبية بهذين البلدين، فتم الالتفاف على جيش التحرير بتونس والمغرب، والتوقيع على اتفاقيات استسلامية مع الالتزام بتصفية جيش التحرير وهو ما أنتج استقلالا أعرجا بالبلدين، وواصل الأمير دعمه للحرب التحريرية في الجزائر، كما ناهض اتفاقية إيكس ليبان التي اعتبرها خيانة للشعب المغربي ومقاومته، واعتبر أن المغرب أخطأ الطريق الصحيح، وقد زاد من حدة موقفه ما حصل في الريف أواخر 1958 وبداية 1959 من قمع للثورة الشعبية العارمة، وعمل على فضح مختلف الفضاعات والخروقات التي اقترفتها الدولة والملشيات الحزبية ضد المواطنين العزل. ومن جهة أخرى رفض دستور 1962 ومشاريع العودة إلى المغرب ما لم يتمتع باستقلال حقيقي ويرحل عنه أخر جندي أجنبي.

وبقي الأمير على نهج المقاومة ثابتا لا يلين ولا يستكين إلى أن اسلم روحه يوم 6 فبراير 1963 ليدفن في مقبرة الشهداء بالعباسية في مصر.


جمعية ذاكرة الريف

Le faux contentieux de l'île de Perejil

Nous donnons l'article de Maria Rosa de Madariaga, paru dans le journal espagnol «El Pais », daté du mercredi 17 juillet 2002 et portant sur l'Ilot Leila faisant partie du territoire marocain.La nouvelle est apparue en premier plan dans toute la presse de ce 12 juillet : un détachement de gendarmes marocains a occupé l'île de Perejil située à proximité de Ceuta. Les radios et chaînes TV ont réservé une large place à l'événement. : Alarme, indignation casus belli avec le Maroc ?
La majorité des lecteurs qui n'a jamais entendu parler de cet îlot s'est efforcée de repérer sur les cartes reproduites par les quotidiens d'information où pouvait bien se trouver exactement cette île ? Elle est en fait située à 200 mètres de la côte marocaine, dans les eaux territoriales du Maroc, à 40 km de Tanger, 14 km de l'Espagne et 8 km de Ceuta et s'étend sur 13,5 hectares, c'est à dire 135.000 mètres carrés. Elle est inhabitée même si elle est régulièrement fréquentée par des pêcheurs et des éleveurs de caprins résidant dans les alentours du Jbel Moussa.
A qui appartient cette île ? Pour certains à l'Espagne, pour d'autres la chose n'est pas aussi claire et à cet effet nous allons faire un bref rappel historique.
Tout d'abord parmi les auteurs du XIXème et XXème siècle qui ont consacré leurs recherches au Maroc, très peu font référence à l'île de Perejil. Au cours de la guerre franco-britannique, l'Espagne étant alors alliée de Napoléon, l'Angleterre occupa cette île temporairement en 1808 dans le but d'exercer une pression sur Ceuta qui de son côté fût soumise au blocus naval de la part des Anglais. La Gazette de Madrid rendit compte de l'événement en ces termes : «Le 28 mars un détachement de 300 hommes de la garnison de Gibraltar prit possession de l'île de Perejil qui appartient à l'empire marocain» (Carlos Posac Mon, Prélude à la guerre d'indépendance dans la zone de Gibraltar, carnets d'archives municipales de Ceuta, 1997).
L'Angleterre qui avait occupé l'île avec le consentement du Sultan à qui elle avait demandé l'autorisation pour ce faire, se retira selon son bon vouloir malgré les protestations de l'Espagne qui ambitionnait d'en prendre possession. Plusieurs tentatives espagnoles d'occuper l'île dans le courant du XIXème ont échoué. Après l'occupation des îles Jaafarines en 1848, sous le gouvernement du général Narvaez, l'Espagne avait projeté d'occuper l'île de Perejil mais ses desseins furent contrariés par l'opposition de l'Angleterre. Dans son œuvre «La question du Maroc du point de vue espagnol (1905)» Gabriel Maura Gamazo nous dit à ce sujet : «nous n'avons pas pu nous approprier également de l'île de Perejil du fait de l'opposition de l'Angleterre. Cet échec devait nous servir de leçon ; nous n'obtiendrons jamais rien au Maroc, si nous ne garantissons pas à l'Angleterre la neutralité du détroit de Gibraltar ou tout au moins notre neutralité vis à vis de l'Angleterre dans le détroit.» De nouveau il y eut une autre tentative espagnole infructueuse d'occupation de l'île en 1887 signalée par le Marquis de Mulhacen (Politique méditerranéenne de l'Espagne 1704-1951, Madrid, 1952).
Opposition donc de l'Angleterre d'un côté contre l'occupation de l'île par l'Espagne mais également des Marocains eux-mêmes comme le reconnaît Gabriel Mora quand il aborde les événements de 1887 : «une commission espagnole qui avait entrepris des préparatifs pour les travaux de construction d'un phare fut assaillie par des Marocains venus de Tanger qui détruisirent les fondations de ce premier ouvrage.» Tomas Garcia Figueras ( Maroc. Action de l'Espagne en Afrique du Nord 1941) rend compte de l'incident en ces termes :«L'Espagne a fait un faux pas en envoyant une commission d'études sur l'île de Perejil ; le Sultan du Maroc a protesté s'agissant d'une action menée sur son territoire sans son autorisation préalable et le plus grave dans cette affaire c'est qu'elle a révélé un haut degré d'ignorance dans les milieux dirigeants de la politique espagnole, vu que nous avons dépêché cette commission en croyant, alors qu'il n'en était rien, que cette île nous appartenait.»Nous avons passé en revue minutieusement tous les traités entre l'Espagne et le Maroc ou avec d'autres puissances en relation avec le Maroc, depuis celui signé le 1er mars 1799 à celui du 29 décembre 1916 sans trouver la moindre allusion à cette île. Ceux relatifs à l'extension des limites de Ceuta, comme celui de Tétouan du 29 avril 1860 ne le mentionnent pas non plus.
D'autres comme la convention franco-marocaine du 30 mars 1912 établissant le Protectorat au Maroc comme la convention hispano-française du 27 novembre de la même année n'en font aucune référence. On peut donc en déduire que l'Espagne n'a jamais pu exercer sur cette île un quelconque droit de souveraineté et que, même si cela n'est pas explicitement mentionné, cette île faisait partie de la zone du Protectorat espagnol. Pour les mêmes raisons, il est révélateur qu'aucune fortification n'ait été construite sur l'île conformément à l'article 7 de la déclaration franco-britannique du 8 avril 1904 et l'article 14 de la convention franco-espagnole du 3 octobre de la même année qui stipulent que pour assurer le libre passage dans le détroit de Gibraltar, les deux gouvernements conviennent de ne pas permettreque s'érigent des fortifications ou ouvrages stratégiques sur la côte marocaine comprise entre Melilla et les hauteurs de la rive droite du Sébou sur la côte atlantique.
Tomas Garcia Figueras, idéologue de l'africanisme militaire de l'époque franquiste établissait une nette distinction entre les places de souveraineté espagnoles qu'il énumère avec exhaustivité sans mentionner l'île de Perejil, et la zone du Protectorat en précisant que «Les places de Ceuta et Melilla disposaient d'une aire extérieure de souveraineté dont les limites avec le Maroc ont été établies par Traités. Il convient donc, pour éviter toute confusion commise si fréquemment et lamentablement par l'Espagne, de bien distinguer les territoires de souveraineté et le reste de sa zone de Protectorat où tous les actes sont pris au nom du Khalifa du Sultan dans les limites tracées par les accords internationaux.»
Il en résulte à l'évidence que l'île de Perejil ne faisait pas partie des places de souveraineté sinon du Protectorat, de telle sorte que lorsque le Maroc obtint son indépendance en 1956, l'îlot devait se retrouver dans le nouvel Etat indépendant.
Il ne nous échappe guère que les aspects politiques prennent le pas dans cette affaire qui gagnerait à être examinée avec objectivité et impartialité. Il convient de souligner que le contentieux entre l'Espagne et le Maroc manque de justification historique et ne devrait par conséquent pas exister du tout.
par Maria Rosa de Madariaga
* Maria Rosa de Madariaga est historienne spécialiste du Maroc, Al Bayane a déjà eu le plaisir de présenter à ses lecteurs ses deux ouvrages «l'Espagne et la Guerre du Rif» et «Les Marocains enrôlés par Franco».
Posté par Ibn Khaldoun, 27 juillet 2006 à 15:08
Le problème de Sebta et Melilla demeure entier
La crise maroco-espagnole a connu des développements positifs après le retrait des forces espagnoles de l'îlot Leïla, commente lundi la presse belge qui continue de consacrer commentaires et reportages à la question, en soulignant que le problème de Sebta et Melilla demeure cependant entier. Citant une habitante de la ville occupée de Sebta, le quotidien «La Dernière Heure» rapporte que cet épisode avait tout d'un «film hollywoodien».«Je n'aurais jamais imaginé que l'Espagne, au XXIème siècle, puisse réoccuper à la faveur d'une opération militaire spectaculaire un bout de territoire totalement inconnu», a poursuivi Maria.
Mais si la question de cet îlot est «en passe d'être réglée, le statut des enclaves espagnoles de Sebta et Melilla ne l'est toujours pas pour le Maroc», commente le journal.De son côté, l'envoyé spécial du quotidien bruxellois «Le Soir» décrit Sebta comme une ville représentative de «La hargne que cet anachronisme colonial espagnol met depuis un demi millénaire à ne pas vouloir s'extirper des côtes africaines, telle une écharde plantée dans l'orteil du monde arabe».
La chaîne RTBF explique, pour sa part, que même «si la crise est passée, l'essentiel est loin d'être réglé. Car, au-delà de l'épisode de Persil, digne d'un grand guignol, il y a les relations plus que tendues entre l'Espagne et le Maroc, et ce depuis des années».
Les deux pays s'opposent sur un grand nombre de questions, notamment «les deux enclaves espagnoles de Sebta et Melilla, sur les côtes marocaines (...) les Espagnols, qui revendiquent eux-mêmes Gibraltar, ne veulent à aucun prix lâcher» les territoires sous leur contrôle en terre africaine, conclut-elle.
Posté par Ibn Khaldoun, 27 juillet 2006 à 15:09